ملحق «لا» 21 السياسي - العدد (1867)
- تم النشر بواسطة «لا» 21 السياسي
ليست مجرد لعبة
علي عطروس
ليست مجرد لعبة، وليست مجرد ركلات؛ إنها ميزانٌ لقيمنا في عالمٍ فقد بوصلته.
بينما ينشغل العالم بتتبع مسار الكرة في ملاعب واشنطن، نحن نتتبع مسار الدم. لقد أرادوا للمونديال أن يكون مسحوق تجميل لجرائمهم، فكشفنا عورات سياساتهم. أهلاً بكم في المونديال حيث «فيفا» موظف، و«الترند» دليل براءةٍ للجلادين. خلف شاشات البث المليارية، ثمة ضحايا لا يراهم المعلقون، وقضايا لا تتسع لها البورصات.
نحن هنا لا نشاهد مباريات، بل نفكك بروباغندا الهيمنة. لا نكتفي بنقد اللعبة، بل نفضح ألاعيب السلطة التي تحاول تحويل المستطيل الأخضر إلى زنزانة، والمشجع إلى جمهورٍ مخصٍّ سياسياً. نحن لا نشاهد لننسى واقعنا، بل لنثبت أن كل ركلةٍ –إذا ما امتلكت وعياً– هي فعلُ مقاومةٍ يرفض الانصياع.
مهمتنا في هذا العدد واضحة: الكرامة قبل الكرة، والضمير قبل النتيجة. أهلاً بكم في «مونديالنا» الخاص، حيث لا ننتظر الفتات من موائد البيزنس، بل ننتزع لحظة الحقيقة من قلب المستطيل الأخضر، لنؤكد أن التاريخ يُكتب بأقدام الأحرار، لا بدفاتر الرشاوى.
في مواجهة بروباغندا بورصات المضاربة
من مارادونا المتمرد، الذي ركل بؤس الرأسمالية بقدمه اليسرى، إلى «السلع البشرية» التي تملأ اليوم أروقة «الميركاتو» بأسعار فلكية، ثمة مسافة ضوئية من الانحطاط الأخلاقي. لقد اختُطف المستطيل الأخضر من أصحابه الحقيقيين (الشعوب) ليُسجن خلف قضبان «الإنترناشيونال» المالي، ووكلاء اللاعبين الذين لا يجيدون سوى لغة الأرقام في بورصات المضاربة.
لقد حوّل الغول الرأسمالي كرة القدم من لعبة الطبقات الكادحة، التي تستنشق فيها الجماهير هواء الحرية، إلى بروباغندا للإشهار والربح الجنوني. الفيلسوف البريطاني سايمن كريتشلي يرى أن اللعبة في جوهرها تحمل جينات الاشتراكية: التعاون، الجماعية، تذويب الفرد في المجموع؛ لكنّ النيوليبرالية المتوحشة، التي تسيطر على مفاصل اللعبة اليوم، حوّلت هذا الجوهر إلى سلعة لا تثير إلا القرف.
أنت أيها المشجع، لست في نظرهم سوى رقم إضافي لرفع قيمة حقوق البث، ومستهلك لقنوات التشفير التي تسرق عرقك لتصبّه في أرصدة النافذين الإنترناشيونال. هم يريدونك متفرجاً مخصياً سياسياً، يفرّ من واقع هزائمه القومية إلى شاشة تعيد تدوير أوهامه، بينما الحقيقة أن كل دولار تدفعه للاشتراك، هو رصاصة في جسد المقاومة التي ترفض أن تكون مجرد جمهور في مدرجات التبعية.
في مونديال 1978، أراد الأرجنتينيون الفرح وسط أنقاض الدكتاتورية. في المقابل، أراد خورخي لويس بورخيس، ذلك الأرستقراطي المعزول في صومعته، أن يمارس تعاليه على «الشعبوية»، فحدد موعد محاضرته بالتزامن مع مباراة الأرجنتين. لقد رأى في كرة القدم «جريمة إنجليزية»، ولم يدرك أن تلك «القطعة الجلدية» كانت المتنفس الوحيد لشعبٍ لم يجد من نخبته سوى الاحتقار.
هذا التعالي الذي مارسه بورخيس هو الوجه الآخر للتبعية؛ فمن يحتقر شغف الجماهير، لا يلبث أن يسقط في فخ الانفصال عن قضايا السيادة. إن تشي غيفارا، الذي أنجبته الأرجنتين أيضاً، لم يجد غضاضة في أن يحب كرة القدم؛ لأن الثائر الحقيقي يدرك أن الفرح حقٌّ مسلوب، وأن انتزاع اللحظة من فم الرأسمالية هو جزء من معركة الصمود.
نحن لا ندعو إلى المقاطعة السلبية، بل إلى تسييس اللعبة بالمعنى النبيل. التاريخ يخبرنا أن الملاعب كانت دائماً ساحات للتمرد:
سقراط: طبيب برازيلي حوّل ناديه «كورينثيانز» إلى تجمع ديمقراطي لمواجهة المجلس العسكري، لم يكتفِ بركل الكرة، بل ركل الدكتاتورية.
مارادونا: ارتدى قميص «مجرم حرب» في وجه بوش، ليؤكد أن اللاعب -إذا أراد- يمكن أن يكون صوتاً لمن لا صوت لهم: «لا يمكن للاعب أن يكون دُميةً، إذا كان التاريخ يكتبُ أقدامَنا».
هنا تكمن المفارقة؛ إن التسييس المطلوب ليس «تحويل الكرة إلى بيان حزبي باهت»، بل استعادة «سيادتها» من الشركات العابرة للقارات. إننا نرفض أن تكون كرة القدم مخدراً للشعوب؛ وفي الوقت ذاته، نرفض أن تُختزل إلى مجرد «جغرافيا موهومة» تصفّي فيها القوى الاستعمارية حساباتها.
إننا ندعو إلى استعادة الروح الرياضية كممارسة سيادية: أن يكون تشجيعك للعبة تعبيراً عن انحيازك للقيم، لا استسلاماً لآلات التسويق. كرة القدم –كما قال كريتشلي- هي انعكاس لعصرنا؛ فيها الرعب والاستغلال، وفيها لحظات الجمال النقي. مهمتنا هنا في ملحق «21 أيلول» ليست أن نكون معلقين رياضيين، بل أن نكشف كيف يحاول «الآخر» مصادرة ملاعبنا وعقولنا.
سيبقى المستطيل الأخضر حديقةً للمناورة، لا للتبعية. وسيبقى اللاعب، الذي لا يدرك أن عرقَه يُباع في البورصة، غريباً عن مأساة شعبه. أما نحن، فسنبقى نرى في كرة القدم طقساً مقاوماً، طالما لم تتحول إلى بيان إعلاني بتمويلٍ قطري أو أمريكي أو صهيوني.
سنظل نلعب، ونشاهد، وننتقد، لأن اللعبة، قبل أن تكون تجارة، كانت -وستظل- صرخةً في وجه العالم.
إنثروبولوجيا المقهورين.. الركلة كبيانٍ سياسيٍ
منذ أن قذف الإنسان القديم جمجمة عدوّه، أو كُرةً من جلدٍ محشوٍّ بالخوف، لم تكن كرة القدم يوماً مجرد لعبة. إنها «الساحرة المستديرة»، التي تمارس طقوسها الشامانية على عقول الملايين، محوّلةً إياهم من كائنات بيولوجية إلى كتلة متوحدة تنبض بقلب واحد. لكن، وبينما يحاول النيوليبراليون ووكلاء اللاعبين وشركات الإشهار تحويل هذا السحر إلى بضاعة في بورصات الترفيه، يظل الملعبُ ساحةً خصبةً لمعركة وجودية: هل هي «أفيون الشعوب» الذي يُنسيها واقعها، أم أنها المختبر الأخير لكرامة المقهورين؟!
في هذا العالم، يظل حارس المرمى هو النموذج الأكثر صدقاً للمثقف، أو ربما للمقاوم. إنه الوحيد الذي يقف وحيداً، يواجه القذائف (الكرات) دون ظهير، محكوماً بالإعدام في كل ثانية. هو «الشهيد» الذي يُغفر له كل شيء إلا خطأً واحداً، والمنبوذ الذي يطالبونه بالكمال في عالمٍ يعجُّ بالمتواطئين. بينما يرقص المهاجمون في الأضواء، يبقى الحارس، كحارس السيادة الوطنية، يذود عن عرينه، مدركاً أن الخسارة قد لا تكون تقنية، بل خيانة في نظر الجماهير التي لا تغفر.
في نابولي، لم يكن مارادونا مجرد لاعب؛ لقد كان «إلهاً» في مدينةٍ محكومة بالفقر والبركان. حين ارتدى قميص النادي، لم يكن يداعب الكرة، بل كان يمارس انقلاباً رمزياً على الشمال الإيطالي الأبيض المتعالي.
إنّ قصة مارادونا ليست قصة نجاح رياضي، بل هي قصة المتحدي. وحين قال: «كانت يد الرب» ضد إنجلترا، لم يكن يمزح؛ كان يعيد رسم خريطة السياسة بيده اليسرى، ثأراً لشهداء المالوين. مارادونا يثبت لنا أن الأسطورة لا تُصنع في صالات الجيم، بل في أزقة الوعي الجمعي التي ترفض الهزيمة.
إذا كان هناك دليلٌ قاطع على أن كرة القدم هي «سيادة»، فهو الفريق الجزائري في 1958، حين هرب 12 لاعباً من أنديتهم الفرنسية. لم يهربوا من عقد احتراف، بل هربوا من التبعية. حملوا في حقائبهم السيادة الوطنية وتوجهوا إلى تونس لتشكيل فريق التحرير.
أرادت فرنسا وقتها أن تحولهم إلى نموذج للاندماج، فحولوا أنفسهم إلى نموذج للتمرد. لقد أثبتوا أن اللاعب يمكن أن يكون مقاتلاً، وأن الكرة يمكن أن تكون أداةً لانتزاع الاعتراف بالوطن. «فيفا» حينها –كعادته في الحياد الزائف– هدد وتوعد؛ لكن الحقائق على الأرض كانت أقوى من أوراقهم.
يقول نعوم تشاومسكي إن المسابقات الرياضية مصممة لتنظيم الشعوب في ولاءٍ أعمى لجلاديها. وهذا صحيحٌ في عالم النيوليبرالية؛ حيث يُباع الشباب العربي كسلع في الدوري الإنجليزي، وتُشترى ولاءات الشعوب بحقوق البث.
لكنَّ هذا التحليل يغفلُ الجانب الديالكتيكي؛ فالجماهير ذاتها التي قد تُخدّر بالكرة، هي التي تهتف في المدرجات باسم فلسطين، وهي التي ترى في الملاعب مساحةً للبوح بوجعها الذي لا تجرؤ الصحف على كتابته. المدرجات هي «برلمان المقهورين»؛ المكان الوحيد الذي يمكن فيه لآلاف الغاضبين أن يصرخوا في وقت واحد، دون أن تتمكن السلطة من تكميم أفواههم: «لا يمكن للرياضة أن تكون معزولة عن مآسينا؛ فإما أن نلعب لنؤكد وجودنا، وإما أن نلعب لننسى أننا هُزمنا».
إنَّ كرة القدم، في أبهى تجلياتها، هي «إنثروبولوجيا المقهورين». هي لغة التضامن التي تجعل من طفل في غزة، وشاب في الضاحية، وعامل في مصنع أرجنتيني، يرتجفون معاً للهدف نفسه.
سنستمر في متابعتها، لا كمتفرجين «مخصيين» ينتظرون الفتات من موائد البيزنس، بل ككشافين عن معاني السيادة والمقاومة. سنشجع الفريق الذي يشبهنا، وسنسخر من «سيرك» الأثرياء، وسنظل نردد مع غاليانو: «نحن متسولون نطلب كرة قدم جيدة؛ حباً بالرب».
لأننا نؤمن أنَّ المستطيل الأخضر، كما هو ساحةٌ لآلامنا، هو أيضاً ساحةٌ ممكنة لانتصاراتنا، إذا أدركنا أنَّ خلف كل ركلة، يجب أن تكون هناك إرادة حرّة.
العُري الكروي.. من «يد الرب» إلى أقدام مافيا فيفا
لا تصدقوا تلك الحكايات التي ترويها بروباغندا الملاعب عن الروح الرياضية والسلام العالمي. خلف الصافرة، وخلف شاشات البث المليارية، ثمة تاريخٌ آخر يُكتب؛ تاريخٌ مليء بالدماء، الرشاوى، الحروب، ومحاولات غسل السمعة بالكرات الجلدية. السينما -هذا الفن المشاكس- قررت أن تنزع القناع عن وجه المونديال، لتروي لنا ما لا يريد «فيفا» أن نراه: كرة القدم بوصفها مرآةً لصراعات السلطة، وجرحاً نازفاً في خاصرة الشعوب.
في فيلم «المباراة» (2026)، لا يطارد المخرجان الأرجنتينيان الكرة، بل يطاردان الثأر. إنهما لا يذكّراننا بمارادونا اللاعب، بل بمارادونا «المقاتل». تلك المباراة لم تكن ضد إنجلترا في مونديال 1986؛ لقد كانت استكمالاً لحرب المالوين (الفوكلاند). حين أطاح دييغو بالبريطانيين بيده اليسرى، كان يقول للعالم إنّ «الضعفاء لا ينسون». السينما هنا لا تقدم لنا لقطات أرشفية، بل تعيد صياغة الأسطورة كفعلِ مقاومةٍ ضد الغطرسة الاستعمارية. مارادونا لم يغش؛ لقد كان «يعدل الميزان» في عالمٍ يميل دائماً لصالح القوي.
يأخذنا فيلم «ليلة في تورينو» إلى إنجلترا تاتشر، حيث كان يُنظر للمنتخب الوطني كـ«مجموعة من الحمير» (بشهادة الصحافة حينها). كيف تحولت الكراهية الشعبية لمنتخبٍ «عنيف» إلى تفاخر قومي؟! الإجابة ليست في المهارة، بل في الوظيفة السياسية للعبة. لقد استُخدمت كرة القدم لترميم الكرامة الجماعية المنهارة تحت وطأة الكساد. إنه درسٌ في كيفية صناعة الهوية من فراغ، وكيف يبتلع الجمهور طُعم الوطنية ليغض الطرف عن بؤس الواقع.
وإذا كنت تريد أن تشاهد فيلماً حقيقياً عن الرعب، فلا تذهب لأفلام الزومبي، بل شاهد «حقيقة فيفا» (FIFA Uncovered). هذا الوثائقي ليس مجرد سرد لفضائح الرشوة؛ إنه تشريح للمنظمة الإجرامية العابرة للقارات. إنهم يصورون لنا كيف أن «فيفا» ليس سوى مافيا تبيع البلدان، وتشتري ذمم المسؤولين، وتغسل سمعة الأنظمة عبر «الغسل الرياضي» (Sportswashing).
ثم تأملوا سخرية القدر في فيلم «المشاعر المتحدة»؛ أنتجه فيفا بـ30 مليون دولار، لتمجيد تاريخه، فعُرض في الوقت ذاته الذي كانت فيه أجهزة المخابرات تعتقل مسؤوليه بتهم الفساد. هذه هي النيوليبرالية في أبهى تجلياتها: محاولة طلاء الجريمة بلون المجد، ثم السقوط المريع تحت وطأة «الأرقام التي لا تكذب».
في المقابل، يطل علينا فيلم «الكأس» ليذكرنا بأن كرة القدم، رغم كل القذارة المحيطة بها، تظل «بوصلة» للبسطاء. راهبٌ تبتي صغير في منفاه، يتسلل ليراقب نهائي كأس العالم، ليس لأنه مشجِّع بالمعنى الاستهلاكي، بل لأنه يبحث عن «انتماء» في عالمٍ شطبه من خارطته السياسية. هنا، المونديال ليس تجارة، بل نافذة على عالمٍ يتمنى فيه الضعفاء أن يكونوا حاضرين، ولو لـ90 دقيقة.
لقد كشفت السينما المستور: كأس العالم ليس للعشاق وحدهم، بل هو الوليمة التي يجتمع عليها اللصوص والأنظمة والمقهورون. إذاً، يلزمنا ألا نشاهد الكرة لننسى واقعنا، بل لنفهم آليات السيطرة التي تمارسها المؤسسات الدولية كـ«فيفا».
سنظل نشاهد، نحلل، ونكشف، لأننا ندرك أن هذه «الساحرة» التي تلهي الملايين، يمكن أن تكون –إذا ما عقلناها- أداةً لإيقاظ وعيٍ لا يغفل. ففي السينما كما في الواقع، الخداع لا يدوم، والنتيجة الحقيقية تُكتب دائماً في أقدام الأحرار، لا في دفاتر الرشاوى.
مُستنقع المونديال: حين يقاوم القميص وتُركل الغطرسة
في الوقت الذي يغرق فيه المونديال الأمريكي في مستنقع السياسات الملوثة، ويحاول «فيفا» -هذا الموظف المطيع في بلاط ترامب- تلميع صورةِ رئيسٍ حصلَ على «جائزة سلام» بينما يده ملطخة بالدم؛ قررت إيران أن تخوض «مباراتها» الخاصة. لم تكن رحلة المنتخب الإيراني إلى الولايات المتحدة مجرد إجراء رياضي، بل كانت بياناً سياسياً متحركاً، يثبت أن السيادة لا تُنتزع في الميادين العسكرية فحسب، بل في الملاعب التي أرادت أمريكا أن تجعل منها ساحةً للهيمنة، فحولتها طهران إلى منصةٍ للذاكرة.
وبينما يسعى الغرب لتجريد الرياضة من إنسانيتها وتاريخها تحت شعار «حياد الرياضة»، اختارت إيران اسم «ميناب» لرحلتها. لم يكن اسماً لمدينة، بل كان استحضاراً لصرخةِ أطفالٍ قصفتهم الطائرات الأمريكية في مدرسة. لقد حمل المنتخبُ الإيراني دماء الشهداء في حقائبه، ليقول للعالم: نحن هنا، ولن ننسى!
هذا التكثيف الرمزي هو ما يربك البيت الأبيض. فعندما يرتدي اللاعبون علم بلادهم بعد أن أعلن ترامب الحرب، فهم لا يمثلون فريقاً كروياً، بل يمثلون نظاماً رفض الانكسار. إنها المقاومة التي تتجلى في قميص، وفي رحلةٍ رفضت التبعية، وفضّلت السفر عبر الناقل الوطني الإيراني، لتؤكد أن الإرادة المستقلة تبدأ من قرار الطيران، وتنتهي بالوقوف بثبات في عقر دار الخصم.
أما اختيار مدينة تيخوانا المكسيكية مقراً لإقامة المنتخب فليس مجرد تفصيلٍ لوجستي؛ إنه «مناورة سيادية». رفضت إيران أن تكون تحت الوصاية الأمنية الأمريكية طوال فترة البطولة، وقررت أن تُعامل البطولة كمهمة عمل، لا كزيارة استجمام.
إنَّ إصرار طهران على تجنب الإقامة الدائمة في أمريكا، يمثل صفعةً دبلوماسية ورياضية في آنٍ واحد. إيران، التي حاولوا عزلها، ها هي تفرض شروطها الجغرافية والسياسية وسط قلب الحدث، في تحدٍّ واضحٍ لمحاولات الإقصاء. وبينما كان الرهان الأمريكي على أن الحرب ستدفع إيران للانكفاء، جاءت النتيجة معاكسة: إيران ليست حاضرة فحسب، بل هي حاضرة بشروطها.
لقد كشف مونديال 2026 هشاشة «فيفا»؛ هذا الاتحاد الذي تحول إلى واجهة بيروقراطية لتمرير صفقات ترامب. إنَّ منح «جائزة السلام» لمن يشعل الحروب هو ذروة السخرية التي لا يتقنها إلا «فيفا» في زمن النيوليبرالية المتوحشة. لكن، وفي خضم هذه المهزلة، يبرز المنتخب الإيراني كشوكة في حلق هذا النظام.
مواجهة أمريكا وإيران في الملاعب، أو حتى مجرد وجودهما في البطولة نفسها، يبعث الرعب في أروقة السياسة الأمريكية. فما كان يُفترض أن يكون مباراة كرة قدم، بات اليوم كابوساً أمنياً، إذ يخشى البيت الأبيض أن تتحول الركلة إلى بيانٍ سياسي يُسمعه للعالم أجمع.
إنَّ مشاركة إيران في هذا المونديال، بقميصها الوطني، وباسم «ميناب»، وعلى متن طائراتها، وبإصرارها على الصمود، هي نصرٌ سابقٌ لصافرة البداية. لقد نجحت طهران في تحويل المونديال الأمريكي إلى مساحةٍ لاستعراض الكرامة. وسواء فاز المنتخب في الملعب أو خسر، فإن الحقيقة الثابتة هي أن إيران دخلت الميدان، وخرجت الغطرسة مهزومةً أمام بساطةِ وقوةِ رمزٍ مقاومٍ لم ينحنِ.
المونديال.. «غوانتانامو» رياضي
لا تحاولوا البحث عن الروح الرياضية في ملاعب أمريكا 2026؛ فالبحثُ عنها هناك أشبه بالبحث عن ديمقراطية في البيت الأبيض. إننا أمام نسخةٍ مشوهة، بالون أمريكي منفوخ بالغطرسة، سرعان ما انفجر مع أول صافرة، كاشفاً عن وجهٍ قبيحٍ لا يتقن سوى لغة المنع، التحقيق، والاحتجاز... لقد حوّل دونالد ترامب، بـ»جائزة سلام» هزلية منحها له «فيفا» المرتجف، المونديالَ من عرسٍ عالمي إلى «غوانتانامو» رياضي.
لطالما صدع «فيفا» رؤوسنا بأسطوانة «الحياد السياسي». أين هذا الحياد حين يتعلق الأمر بأمريكا؟! لقد ابتلع «فيفا» لسانه، بل أصبح موظفاً إدارياً في مكتب ترامب. منحُ «جائزة السلام» لرجلٍ يشن حروباً همجية، ويفرض حصاراً على المنتخبات، ويمنع الحكام من دخول أراضيه، ليس مجرد نفاق؛ إنه سقوطٌ أخلاقي يضع المنظمة في خانة التواطؤ.
لقد شهدنا، ولأول مرة في تاريخ اللعبة، أنَّ تأشيرة الدخول صارت أصعب من الهدف الذهبي. إليكم جردة الحساب التي لا يجرؤ الإعلام الغربي المتصهين على كشفها:
منتخب العراق: النجم أيمن حسين احتُجز في مطار شيكاغو لساعات. مصور المنتخب ممنوع من الدخول. لماذا؟! لأن أمريكا تخاف من صورة!
الحكم الصومالي عمر أرتان: أفضل حكم في أفريقيا 2025، نعم؛ لكنه في نظر الاستخبارات الأمريكية مشتبهٌ به. رُحّل قسراً، بينما يحتفي به «يويفا» كحكم لنهائي السوبر الأوروبي. تناقضٌ يفضح زيف الادعاءات الأمنية.
المنتخب الإيراني: «ميناب» ليس مجرد اسم رحلة، بل هو صرخة. التضييق على البعثة، إجبار اللاعبين على المبيت في المكسيك، وحرمان الجماهير من تذاكرهم، ليس إجراءً أمنياً، بل عقوبةً سياسية بامتياز.
الجماهير: آلاف التذاكر أُلغيت، ملايين الدولارات ضاعت، ومشجعون من أفريقيا وآسيا مُنعوا لأن جوازات سفرهم لا تعجب «سيد البيت الأبيض».
مونديال 2026 ليس للرياضة؛ إنه عرضُ قوة فاشل. إنها «الترامبية» التي تتوهم أنها قادرة على تطويع العالم، لكنها فشلت في تطويع صافرة حكم أو قدم لاعب. لقد كشفت هذه البطولة –قبل أن تنتهي أو تبدأ– أن الولايات المتحدة بلدٌ مذعور، يحصّن نفسه خلف جدران التأشيرات، ويرتجف من قميص منتخب، ويخشى الكلمة.
في مونديال الإبادة.. البطولة غزاوية
لا تبحثوا عن الروح الرياضية في ملاعب أمريكا 2026؛ فالبحث عنها هناك يشبه البحث عن سيادة في خرائط الجغرافيا السياسية التي يخطها الاحتلال في غزة. إننا أمام نسخةٍ مستأجرة من المونديال، حيث الملاعب ليست سوى مغاسل كبرى لغسل أدران الإدارة الأمريكية التي تشن حرب إبادة جماعية على الشعب الفلسطيني.
تحدث العالم عن «فصل الرياضة عن السياسة»، فضحك إنفانتينو ورفاقه، ثم قرروا -بوقاحة- تحويل البطولة إلى منصة دعائية لأصحاب الأرض. لقد حوّل «فيفا» الكرة من «لعبة الشعوب» إلى أداة إخضاع.
حين يرفع النجم الإسباني لامين جمال علم فلسطين، يجنُّ جنون سدنة الهيكل في الغرب، وتتحرك جيوش بن غفير وكاتس بتهديداتهم الرخيصة. أين هي حرية التعبير التي يصدعون رؤوسنا بها؟! لقد سقطت الأقنعة عند أول ركلة جزاء. إنهم يريدون لاعباً «آلياً»، يركض خلف الكرة، يبتسم للمصورين، ويصمت حين تُباد أمة. لامين جمال لم يرفع مجرد قماش ملوّن، بل رفع «مرآة» عرت نفاقهم، فخافوا من الانعكاس.
وفي حين يتباكى الدكتور صبري صيدم على «كأس العالم للأخلاق» الذي تحتاجه البشرية، نرى البشرية نفسها غارقة في مستنقع الجشع. 1007 رياضيين فلسطينيين ارتقوا شهداء، ومئات الملاعب دُمرت، بينما يحتفل «العالم الحر» بركلات الترجيح على دماء الضحايا. إن صرخة محمد أبو تريكة: «بلد يشارك في الإبادة ويريد غسل سمعته بالمونديال»، ليست مجرد موقف رياضي، بل هي إدانة أخلاقية تضع كل من يشارك في هذا العرس الملطخ بالدم أمام مرآة الحقيقة.
مونديالكم هذا، يا سادة، لن يكتبه التاريخ بوصفه عرساً رياضياً، بل بوصفه فضيحة القرن. إنها البطولة التي تظن أنها قادرة على تطويع العالم، لكنها فشلت في تطويع ضمير إنسانٍ حر.
لقد حوّلوا المونديال إلى ثكنة أمنية، وسعوا لمحاصرة التضامن خلف أسوار التأشيرات والقوانين الجائرة. لكن، هيهات؛ فالمقاومة ليست بندقية فقط؛ المقاومة أن ترفع علم فلسطين وسط عقر دارهم، وأن تقول بملء فيك: لا مونديال تحت حراب القتلة.
ستبقى غزة هي البطولة، ويبقى المونديال مجرد هوامش في تاريخ أمةٍ لا تُهزم، وشعوبٍ لا تنسى.
مفاهيم في قلب الصراع
- الغسل الرياضي (Sportswashing)
التعريف: تقنية تجميلية سياسية تستخدمها الأنظمة الإمبريالية لتحويل الأنظار عن جرائمها (الحروب، الإبادة، الحصار) عبر استضافة أحداث رياضية كبرى.
في سياقنا: هو مسحوق التجميل الذي تستخدمه واشنطن في مونديال 2026 لتغطية دماء الضحايا في غزة، محولةً الملاعب إلى مغاسل لضمائر القتلة.
- النيوليبرالية المتوحشة (Neoliberalism)
التعريف: عقيدة اقتصادية - سياسية تجعل من السوق والربح الآلهة الوحيدة التي تُعبد، وتُخضع كل شيء -بما في ذلك كرامة الإنسان وحقوق الشعوب- لقانون العرض والطلب.
في سياقنا: هي الغول الذي اختطف كرة القدم من الطبقات الكادحة وحولها إلى سلعة في بورصات المراهنات، وجعل من المشجع مستهلكاً «مخصياً» سياسياً.
- الاستعمار الجديد (Neocolonialism)
التعريف: نمط من السيطرة السياسية والاقتصادية لا يعتمد على الاحتلال العسكري المباشر فحسب، بل على التبعية والسيطرة على القرار.
في سياقنا: يتجلى في محاولة واشنطن فرض أجندتها على المونديال، وتحويل الدول المشاركة إلى أدوات في مسرحيتها الأمنية، وفرض حصار تأشيرات كأداة قمعية حديثة.
المراجع والمصادر:
أولاً: المرجعيات الفكرية والأدبية:
سايمن كريتشلي (الفيلسوف البريطاني): رؤيته حول «الجينات الاشتراكية» لكرة القدم وتضادها مع «النيوليبرالية».
خورخي لويس بورخيس (الأديب الأرجنتيني): موقفه من كرة القدم والتعالي الطبقي (محاضرة 1978).
إدواردو غاليانو (الكاتب الأوروغواياني): «نحن متسولون نطلب كرة قدم جيدة.. حباً بالرب».
تشي غيفارا: الارتباط بين الثورة وكرة القدم كحقٍ مسلوب.
نعوم تشومسكي: تحليل دور المسابقات الرياضية في «تنظيم ولاء الشعوب» (أفيون الشعوب).
ثانياً: التقارير والبيانات الحقوقية:
مؤسسة الدراسات الفلسطينية (منصة توثيق استهداف القطاع الرياضي في فلسطين): إحصائيات الشهداء الرياضيين، المعتقلين، والمنشآت المدمرة.
ثالثاً: المقالات والآراء المعتمدة:
أيهم السهلي: «المونديال وفلسطين والتضامن».
صبري صيدم: «كأس العالم للأخلاق».
رابعاً: تصريحات ومواقف سياسية ورياضية:
محمد أبو تريكة: الهجوم على الإدارة الأمريكية و»فيفا» بشأن استغلال المونديال لغسل السمعة.
إيتمار بن غفير ويسرائيل كاتس: الحملة التحريضية ضد اللاعب لامين جمال بسبب رفعه علم فلسطين.
سقراط (اللاعب والطبيب البرازيلي): تجربة كورينثيانز في مواجهة المجلس العسكري.
دييغو مارادونا: مواقفه السياسية (يد الرب، والقميص في وجه بوش).
خامساً: المصادر السينمائية والوثائقية:
فيلم «المباراة» (2026): الأرجنتين، مارادونا، وثأر المالوين.
فيلم «ليلة في تورينو»: الهوية والوظيفة السياسية للعبة في بريطانيا.
وثائقي «حقيقة فيفا» (FIFA Uncovered): كشف خبايا الفساد والرشاوى.
فيلم «المشاعر المتحدة» (United Passions): محاولة «فيفا» تجميل صورته وتناقضه مع الواقع.
فيلم «الكأس» (The Cup): كرة القدم كبوصلة للمنفيين والضعفاء.










المصدر «لا» 21 السياسي