عادل بشر / لا ميديا -
في اعترافٍ أمريكي نادر بحجم المأزق الاستراتيجي الذي خلصت إليه المواجهة مع إيران، نشرت مجلة «ذا أتلانتيك» الأمريكية تقريراً مطولاً بعنوان «كش ملك في إيران»، أكدت فيه أن العدوان «الأمريكي -الإسرائيلي» على إيران كشف حدود القوة الأمريكية، وعجز واشنطن عن فرض إرادتها رغم التفوق العسكري الهائل، معتبرةً أن ما جرى يمثل «هزيمة استراتيجية» يصعب على الولايات المتحدة عكس تداعياتها أو احتواؤها، وأن إيران خرجت لاعباً مركزياً في المنطقة والعالم، عبر قدرتها على التحكم بمعادلات مضيق هرمز.
التقرير، الذي حمل لهجة أقرب إلى التحذير من انهيار النفوذ الأمريكي في الخليج والعالم، اعتبر أن الحرب لم تنتهِ بانتصار حاسم، وإنما بانكشاف عميق لأزمة الهيمنة الأمريكية، بعدما فشلت واشنطن و»إسرائيل» في إسقاط النظام الإيراني أو انتزاع أي تنازل منه، رغم 37 يوماً من القصف المكثف والاغتيالات والتدمير واسع النطاق.
وأقر التقرير بوضوح أن «الهزيمة في المواجهة الحالية مع إيران، لا يمكن إصلاحها أو تجاهلها. لن يكون هناك عودة إلى الوضع السابق، ولا انتصار أمريكي نهائي يمحو أو يتجاوز الأضرار التي وقعت»، مضيفاً أن إيران خرجت من المواجهة لاعباً مركزياً يتحكم بمعادلات الطاقة والملاحة العالمية عبر مضيق هرمز، فيما تراجع النفوذ الأمريكي بصورة غير مسبوقة.

اقرار بالفشل
المجلة الأمريكية رأت أن واشنطن تواجه اليوم لحظة مختلفة عن كل هزائمها السابقة، حتى مقارنة بفيتنام وأفغانستان والعراق، لأن الخسارة الحالية تمس قلب النظام العالمي الذي قادته الولايات المتحدة لعقود.
وأوضحت أن «المواجهة مع إيران كشفت عن أمريكا غير موثوقة وغير قادرة على إنهاء ما بدأته، وهذا سيطلق سلسلة من التفاعلات حول العالم، مع إعادة الأصدقاء والخصوم حساباتهم بناءً على الفشل الأمريكي»، مشيرة إلى أن «دونالد ترامب» يحب الحديث عمّن «يمتلك الأوراق»، لكن ليس واضحاً ما إذا كان لا يزال يملك أوراقاً جيدة للعب بها.
ويؤكد التقرير أن «إدارة ترامب تأمل أن يحقق حصار الموانئ الإيرانية ما عجزت عنه القوة العسكرية الهائلة» لكنها تدرك أن «النظام الذي صمد ولم يركع أمام خمسة أسابيع من الهجوم العسكري المتواصل، من غير المرجح أن ينهار تحت الضغط الاقتصادي وحده».

السلاح الذي غيّر المعادلة
تقرير «ذا أتلانتيك» ركّز بشكل لافت على التحول الكبير الذي أحدثته إيران في معادلة مضيق هرمز، معتبراً أن السيطرة الإيرانية على المضيق تُعد أخطر من البرنامج النووي نفسه.
ويفيد التقرير أن إيران لم تحتفظ فقط بإمكاناتها النووية المحتملة، بل اكتسبت أيضاً سلاحاً أكثر فعالية، وباتت تمتلك ورقة ضغط استراتيجية تسمح لها بفرض شروطها على العالم، من خلال التحكم بحركة الملاحة والطاقة، في مضيق هرمز، وفرض رسوم عبور أو تقييد مرور السفن التابعة للدول المعادية لها.
وترى المجلة أن هذه المعادلة الجديدة ستجبر دول الخليج والدول الصناعية الكبرى على إعادة ترتيب علاقاتها مع إيران.
الكيان أكثر عزلة
التقرير الأمريكي لم يخفِ أيضاً حجم القلق داخل الكيان الصهيوني من نتائج الحرب، مؤكداً أن إيران ستخرج من الأزمة «أقوى مما كانت عليه قبل الحرب، وستصبح أغنى، وتعيد تسليح نفسها، وتحافظ على خياراتها النووية للمستقبل»،  فيما ستجد «إسرائيل» نفسها في عزلة متزايدة. فقدرة إيران على التأثير في سوق الطاقة العالمية -وفقاً للتقرير- ستجعل كثيراً من الدول تضغط لمنع أي تصعيد جديد ضد طهران أو حلفائها في المنطقة، سواء في لبنان أو غزة أو غيرهما.
وفي هذا السياق، يشير التقرير إلى أن أي عدوان جديد قد يدفع إيران إلى استهداف منشآت الطاقة الخليجية بصورة أشد، الأمر الذي قد يدخل العالم في أزمة اقتصادية طويلة الأمد، مع ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية تتجاوز 150 أو حتى 200 دولار للبرميل.
ولفت إلى أن ترامب أضطر «إلى إعلان وقف إطلاق النار، رغم أن طهران لم تقدم أي تنازل»، موضحاً بأن «حسابات المخاطر التي دفعته إلى التراجع قبل شهر، ما تزال قائمة الآن، وحتى لو نفذ ترامب تهديده بتدمير الحضارة الإيرانية عبر المزيد من القصف، فستظل إيران قادرة على إطلاق عدد كبير من الصواريخ والطائرات المسيرة. وبضع ضربات ناجحة فقط قد تشلّ البنية التحتية النفطية والغازية في المنطقة لسنوات وربما لعقود، ما سيدفع العالم، والولايات المتحدة نفسها، إلى أزمة اقتصادية طويلة الأمد».
ويضيف: «وحتى لو أراد ترامب قصف إيران كجزء من استراتيجية خروج، أي الظهور بمظهر القوي لإخفاء تراجعه، فإنه لا يستطيع فعل ذلك من دون المخاطرة بهذه الكارثة».
ويُعلّق التقرير بالقول: «إذا لم لكن هذا كش ملك، فهو قريب جداً منه».

نمر من ورق
أخطر ما في تقرير «ذا أتلانتيك» ربما كان حديثه عن التداعيات العالمية للهزيمة الأمريكية في الخليج، حيث اعتبر أن العالم بدأ فعلياً بالتكيف مع مرحلة «ما بعد الهيمنة الأمريكية».
ويؤكد بأن «الوضع الجديد في مضيق هرمز سيؤدي إلى تحول كبير في موازين القوى والنفوذ إقليمياً وعالمياً». ففي المنطقة -وفقاً للتقرير- ستثبت الولايات المتحدة أنها «نمر من ورق»، ما سيدفع دول الخليج وغيرها من الدول العربية إلى التكيّف مع إيران». وكما كتب الباحثان رويل غريشت وراي تقية مؤخراً: «اقتصادات الخليج العربي (أي الفارسي) بُنيت تحت مظلة الهيمنة الأمريكية. وإذا أُزيلت تلك المظلة، ومعها حرية الملاحة، فإن دول الخليج ستجد نفسها مضطرة للتوسل إلى طهران».
ولن تكون تلك الدول وحدها. فجميع الدول التي تعتمد على طاقة الخليج ستضطر إلى ترتيب علاقاتها الخاصة مع إيران.
ويضيف: «أما الهزيمة الأمريكية في الخليج، فستكون لها تداعيات عالمية أوسع أيضاً. فالعالم بأسره يرى الآن كيف أن بضعة أسابيع من الحرب مع قوة من الدرجة الثانية كانت كافية لاستنزاف مخزونات الأسلحة الأمريكية إلى مستويات خطيرة». الأمر الذي يطرح أسئلة مرعبة داخل المعسكر الغربي حول قدرة واشنطن على خوض حروب كبرى أخرى.
وفي خلاصة تحمل قدراً كبيراً من الهلع الأمريكي، يختتم التقرير بالقول: «التكيف العالمي مع عالم ما بعد الهيمنة الأمريكية يتسارع، وما جرى في الخليج ليس سوى أولى الضحايا الكبرى لهذا التحول».