شواطئها ومتنزهاتها استضافت أكثر من 600 ألف أسرة خلال أيام ..الحُدَيْدَة.. مدينة تظمأ لها الروح
- تم النشر بواسطة بشرى الغيلي/ لا ميديا
استطلاع: بشرى الغيلي / لا ميديا -
تحت شمسٍ لاهبة وقيظٍ يكاد يذيب الأجساد المنهكة، ترزح محافظة الحديدة تحت وطأة حرّ خانق يُطوق الأنفاس ويضيق الخناق على تفاصيل الحياة اليومية في هذه المدينة، يذوب الثلج بين الأيادي المتعبة كأمنياتٍ باردة يتهافت عليها الناس فراراً من رطوبة خانقة ومعاناة يومية قاسية تفرضها ظروف الاستثنائية.
ومن عمق هذا الوجع المتجذر، انطلقت رحلة صحيفة «لا» لتأخذ على عاتقها مسؤولية مهنية وإنسانية كبرى، متمثلة في تسليط الضوء باحترافية عالية على جراح هذه المدينة الباسلة، موثقةً أنين الكادحين، وخلف هذا المشهد المثقل بالألم والمشقة، تتجلى إرادة البقاء الباذخة؛ حيث يتهادى البحر الأحمر بأمواجه العاتية مُشرعاً ذراعيه الحانيتين لأفواجٍ بشرية تتقاطر من كل المحافظات طوال العام.. ورغم قسوة الحال وشح الموارد، تغصّ المدينة بزوارها وتضجّ أسواقها وعمرانها بنبض حياةٍ لا يهدأ أبداً، ترسمه مزارع تجود بخيراتها، وصيادون يطرزون الفجر بشباكهم، لتظل الحديدة، الميناء والمدينة، عبر عدسة صحيفة «لا»، تلك الرئة العظيمة التي تحترق بصمتٍ لتتنفس البلاد، وتتألم بوجعها لتَهب القادمين إليها متعة الحياة..
شواطئ تكسر الرتابة
تتجسد ملامح العناق الدافئ في مشهد الأسر والعائلات التي تفر من صرامة الأيام وضغوطها لترتمي في أحضان الساحل الغربي الممتد.. وفي خضم هذا الزحام، التقت صحيفة «لا» بالحاج علي ظافر، الذي وصف هذه اللحظات الاستثنائية بشغفٍ واضح قائلا: «أربعة أشهر كاملة تفصلني عن آخر زيارة لي إلى هنا، فما أجمل وأروع أن ترى الأطفال سعداء يركضون بعيداً عن الرتابة والكآبة؛ فالإنسان بطبيعته بحاجة دائمة لمناطق تختلف عن بيئته الجبلية ليجدد طاقته». وبجواره اختزل ابنه الطفل أحمد فرحته الغامرة في حديثه البريء لمحررة «لا» قائلاً: «أنا أحب الحديدة كثيراً، وأعد الأيام والليالي حتى نأتي إلى هنا للسباحة في البحر واللعب بالرمال الذهبية وركوب الخيل على الشاطئ».
من جانبه أوضح المصور علي الدريبي في تصريحه الخاص لصحيفة «لا» أن «شاطئ الكثيب يُعد من أجمل الشواطئ الجاذبة، والزوار لا ينقطعون عن زيارته طوال أيام العام». ورغم تنبيهه لبعض المنغصات البسيطة، إلا أنه أكد لـ«لا» أن «عيون الأمن الساهرة تقف بالمرصاد لتأمين راحة الزوار».
كما اختزل المواطن وليد المصباحي المشهد العام بقوله: «الحديدة تشهد حركة سياحية واقتصادية لا تتوقف أبداً، والناس يتوافدون من أعالي الجبال ومن كل المحافظات أفواجاً متتالية، مما جعل الحركة التجارية تنتعش بقوة، والعمل يتيسر في المطاعم والمحلات.. إنها مدينة حية لا تعرف النوم أو الهدوء ليلاً ولا نهاراً».
ذاكرة الحرفة التهامية
في جولتها الميدانية ترصد «لا» ملامح المدينة النابضة بدءاً من شارع صنعاء، ذلك المحور الرئيسي والشريان الحيوي الذي تتفرع منه معظم الشوارع يمنة ويسرة، لينتهي بك المسار المطول عند بوابة حديقة الشعب.. وفي المساحة الجغرافية الممتدة بين شارع صنعاء والكورنيش، يبرز سوقا المطراق، وباب مشرف كأهم مركزين للنشاط التجاري العريق في تهامة. هنا كما وثقت «لا»، تلتقي الصناعات اليدوية التهامية الأصيلة بروح العصر الحديث؛ ففي مواسم الأعياد والإجازات يغص السوق بالمتسوقين لدرجة انعدام الموطئ للقدم.
ويلفت الأنظار بشدة في سوق باب مشرف تخصص بعض المحلات المتراصة في بيع منتجات النخيل؛ حيث تُعرض قطع الحصير المنسوجة بعناية، وسُفر الأكل التقليدية، والزنابيل المعروفة بالقفف، ومناخل الدقيق الدقيقة، والقبعات التهامية الشهيرة، والحبال المتينة المستخدمة في صناعة السرير التهامي والعشش.. وهي حرفة يمنية أصيلة سلطت صحيفة «لا» الضوء عليها مؤكدة كيف طوع الإنسان التهامي مــــــوارد البيئة المحلية ليصنع منها أدوات يومية لا تغيب عن وجدان المدينة المشرئبة نحو الحداثة دون أن تفقد ذرةً من هويتها.
حكايات الكفاح اليومي
خلف طاولةٍ خشبية بسيطة تتكدس عليها أقراص الجبن البلدي الشهي، يجلس الحاج محمد، وعيناه المتعبتان ترصدان حركة المارة المتدفقة.. هذا الجبن الأصيل كما تتبعت «لا»، جاء من أقصى الجنوب الشرقي، وتحديداً من سوق الخميس الواقع على مشارف جبل رأس الشاهق.. عن سر تكبده عناء جلب الجبن من تلك المسافات البعيدة يومياً، لم يمنحها ترف الوقت الطويل، بل اختصر مسألة كفاحه بكلماتٍ حادة وصادقة مضيفا: «أنا رجل لا أملك بقراً ولا غنماً في أرضي.. أصحاب المواشي يصنعون هذا الجبن هناك بجهدهم، ويأتون به إليّ هنا لأقوم بمهمة بيعه والترزق منه».
عقود الفل
وفي ظهيرةٍ قائظة تعبق برائحة الفل والكاذي الساحرة، يختفي لهيب الجو الحارق خلف شذا المشاقر يتحدث البائع محمد إبراهيم لـ«لا» عن عقود الفل البيضاء التي ينسجها بمهارة ودقة متناهية لتزين أعناق الزوار، بينما يتدخل بائعٌ آخر هو علي محمد في حديثه لـ«لا» محذراً من تأخر الزبائن في الشراء؛ فالفل الترف الذي لا يُباع قبل حلول أذان المغرب «يُنذق» للشياطين كما يصف، مستشهداً بكلمات أغنية الفنان الراحل المرشدي، إذ إن هذا الزهر الرقيق يفقد سحره وقيمته بمجرد أن يتفتح بالكامل وتزول رائحته العطرة.
لوحات تنبض بالحياة
على بُعد خمس عشرة دقيقة فقط بالسيارة جنوب المدينة، تشرع منطقة (النُخيلة) أبوابها الخضراء كأجمل منطقة ساحلية يمتزج فيها سحر جمال البحر بهدوئه مع ظلال المزارع الباردة الوارفة.. وفي مديرية المراوعة، وتحديداً في منطقة القُطيع، يصف المواطن محمد القاضي لـ«لا» سحر المكان وتاريخه العريق: «مدينتنا اليوم تقف كلوحة فنية تنبض بالحياة المتجددة؛ ففي القُطيع يأسرك بقوة سحر العمارة الإسلامية القديمة المتمثلة في جامعنا الكبير، بمنارته الشامخة التي تناطح السحاب ونوافذه الخشبية المنحوتة بإتقان».
عراقة معاصر السمسم
ترافق «لا» مسار الزوار متجهةً جنوباً نحو مدينة الحسينية، حيث تقاوم معاصر السمسم العتيقة بآلاتها الخشبية الضخمة عجلة الزمن لتنتج زيت صليط جلحلان النقي (زيت السمسم).. يختزل الحرفي محمد مخيي في حديثه لـ«لا» الفارق الشاسع بين القديم والحديث قائلاً: «الجودة العالية والطعم الأصيل هنا يختلفان تماماً وبشكل جذري عن صليط المعاصر الآلية الحديثة». فيما يضيف مساعده (رياض) لـ«لا» أن هذا الزيت الطبيعي يُستخدم بشكل أساسي للأكل، خاصة عندما يُمزج مع الأكلة التهامية الشهيرة (فتة أمدخن)، إلى جانب استخداماته المتعددة في التداوي.
وفي هذا المشهد الفلكلوري الذي وثقته «لا»، يطوف الجمل معصوب العينين حول محور المعصرة بحركة دائرية رتيبة، معتقداً أنه يسير في طريق طويل وممتد، كما يوضح الحاج الخبير أبو إسماعيل لـ«لا» بالقول: «وضع هذه العُصابة على عيني الجمل هي حيلة تهامية ذكية لئلا يدرك الحيوان أنه يراوح مكانه فيثور غضباً أو يتمرد، وكذلك لتجنيبه الشعور بالدوار المزعج في طوافه اللانهائي المستمر لساعات». وباتجاه الغرب تأخذك مزارع (القُرشية) إلى فردوسٍ أرضي تتعانق فيه أشجار المانجو المثمرة والباباي والقطن، لتكتمل السمفونية الخضراء بعبق الفل الأبيض الذي يسلب الألباب.
سنابل قمح العزة
وفي مدينة زبيد التاريخية، وتحديداً في عزلة البدوة، وثقت «لا» كيف تبدلت ملامح البساتين الخضراء لترتدي حُلة صفراء بهية من ذهب القمح الاستراتيجي.. يقف المزارع المكافح عبدالعزيز كشوبع محاطاً بسنابله الذهبية المائلة مع الريح، معبراً عن فخره واعتزازه العميق في تصريحه لـ«لا» قائلاً: «لطالما أسرتنا أرضنا الخصبة طوال عقود ببساتين المانجو اللذيذة، لكنها اليوم تكتسي سنابل القمح التي تمثل شريان الحياة؛ ونحن نزرع كفايتنا الغذائية، لنأكل بشرف وعزة وكرامة مما تزرع أيدينا الخشنة»...
ومن جانبه يثني المواطن هشام إبراهيم مخيي لـ«لا» على هذا الإنجاز الزراعي العظيم بقوله: «لقد نجحت تجربة زراعة القمح هنا بشكل ملحوظ ومبشر، ومن هذا المنطلق يجب حث وتشجيع جميع المزارعين على المضي في هذا الاتجاه الصحيح لما فيه من فائدة استراتيجية كبرى تعود بالنفع على الجميع».
صرخة وعي بيئي
وفي خضم التوافد البشري المستمر والمنقطع النظير، تبرز حكاياتٌ محزنة تعكس وجهاً آخر لمعاناة المدينة، يتجلى بوضوح في جحود بعض قاصديها.. إذ تنقل «لا» تفاصيل معاناة ترويها «أم ندى»، الزائرة التي شدت رحالها مع عائلتها من العاصمة صنعاء بحثاً عن متنفسٍ هادئ على شواطئ عروس البحر الأحمر.. تسرد أم ندى لـ«لا» تفاصيل صدمتها بواقعٍ مرير خالف كل توقعاتها الجمالية: «بدلاً من السكينة المرجوة وسحر الطبيعة الخلابة، وقفت مذهولةً وعاجزة أمام ساحلٍ يغرق تماماً في أكوام القمامة والمخلفات البلاستيكية، في مشهدٍ عبثي يدمي القلب ويكشف عن إهمالٍ مفرط وتعدٍ صارخ على الذوق العام من قِبل الكثير من الزوار المستهترين».
وتصف الزائرة بمرارة لـ«لا» كيف ترحل بعض العائلات ببرود تاركةً خلفها فضلاتها وبقايا أطعمتها دون أدنى شعورٍ بالمسؤولية المجتمعية أو احترامٍ لجمال وقدسية المكان.. وتؤكد أم ندى وبقوة عبر صحيفة «لا» أن محافظة الحديدة المعطاءة التي تفتح ذراعيها للجميع، وتمنحهم أجمل ما فيها من طبيعة وروح رغم أوجاعها وحصارها، لا تستحق أبداً أن يُرد لها الجميل بهذا العبث العشوائي الذي يشوه وجهها المشرق، معتبرةً ذلك خذلاناً بيئياً وأخلاقياً خطيراً يُضاعف أثقال هذه المدينة الصابرة التي يجب على كل زائر الحفاظ عليها كرئةٍ نقية تتنفس بها البلاد، بدلاً من التسبب في زيادة اختناقها وتلوثها.
أعباء سياحية مضاعفة
وبلغة الأرقام الدقيقة التي تعكس حجم هذا التدفق الاستثنائي الهائل استعرضت «لا» إحصائية رسمية حديثة (مبنية على تقارير إجازة العيد لعام 2026) كشفت عن توافد أكثر من 600 ألف أسرة يمنية لقضاء العطلة في شواطئ ومتنزهات الحديدة الساحرة.
هذا الرقم الذي ترصده صحيفة «لا» كمؤشرٍ جلي على تحول المحافظة إلى الوجهة الأولى والرئيسية للسياحة الداخلية وملاذٍ آمن لملايين اليمنيين، فاق بأشواط القدرة الاستيعابية لجميع الفنادق والشقق المفروشة.. وقد دفع هذا الزحام الخانق آلاف الأسر، كما رصدت كاميرا صحيفة «لا»، لافتراش رمال السواحل ومسطحات الحدائق العامة أو حتى المبيت داخل سياراتهم الخاصة.. هذا الوضع يجسد مفارقةً عميقة ومؤلمة؛ ففي الوقت الذي تبحث فيه هذه الحشود الغفيرة عن متنفسٍ ضروري للترويح عن النفس والهروب من ضغوط الحياة القاسية، تتضاعف الأعباء الخدمية بشكل مخيف على البنية التحتية المنهكة أساساً للمدينة، وتتعمق جراحها البيئية والخدمية بشدة، لتؤكد الأيام والوقائع أن الحديدة تستنزف ما تبقى من عافيتها وصحتها بصمتٍ مطبق، متكبدةً فاتورة باهظة ومكلفة لتبقى الحضن الدافئ الذي يسع الجميع، والرئة الوحيدة التي يتنفس من خلالها ملايين المتعبين من أبناء هذا الوطن.
وثبات الزرانيق
لا تكتمل تفاصيل هذه الحكاية التهامية الأصيلة إلا بتسليط الضوء على وثبات الفتوة والشجاعة في قرية العباسي؛ حيث يُعد القفز فوق الجمال إرثاً حربياً ورياضياً قديماً يضرب بجذوره في أعماق التاريخ.. يصف صلاح في تصريحه لـ«لا» هذا الارتباط الروحي والتاريخي: «أجدادي القدامى كانوا يمارسون الرقص الشعبي، والقفز الاستعراضي على الجمال، ومهارات الصيد والمصارعة كجزء من تدريبهم، وأنا اليوم أقفز بفضل الله من فوق خمسة وستة وأحياناً سبعة جمال متراصة إحياءً لهذا التراث العظيم». هذا المشهد المهيب الذي رصده أيضاً المواطن مقبل الهاشمي ونقله لـ«لا» يظل شاهداً حياً على قوة بأس وروحٍ تهامية وثابة لا تعرف الهزيمة أو الانكسار.
ميناء الصمود الاستراتيجي
وأثناء جولة «لا» بين عبق المزارع والحقول صوبت اتجاهها نحو رصيف ميناء الحديدة الاستراتيجي، حيث يتحول رذاذ البحر المالح إلى عرقٍ يطرز جباه الكادحين والعمال الأبطال.. هناك يقرأ التاجر معاذ الفاشق لـ«لا» ملامح الإرادة الوطنية الصلبة بثقة: «العدو الغاشم يظن واهماً أنه بحصار السفن الخانق وضرب البنية التحتية للميناء سيكسر إرادتنا وعزيمتنا، لكن رجالنا في الميدان يصنعون المعجزات الحقيقية كل يوم؛ فالعمل جارٍ على قدم وساق وبإمكانياتنا الذاتية البسيطة لإعادة بناء وتأهيل كل ما دمره العدوان المتغطرس، وسيبقى هذا الميناء العظيم شريان الحياة النابض لليمن رغماً عن أنوفهم».
لم تكن محافظة الحديدة يوماً مجرد مساحة جغرافية أو نقطة على الخارطة، بل هي نفسٌ يمني أصيل يمنحك الدفء مرتين؛ مرة من شمسها، ومرة من وجوه أهلها التهاميين أصحاب أصفى القلوب.. هي المدينة التي تغفر لك زلّاتك قبل أن تعتذر، وتداوي جراحك ببحرها لا بشمسها، لتغادرها وأنت تشعر أنك كنت في حلمٍ أبيض برائحة الفل والكاذي، حلمٌ لا تشبع منه الأرواح أبداً.










المصدر بشرى الغيلي/ لا ميديا