حلب تحت النار من جديد.. وفتش عن تركيا و«إسرائيل»
- تم النشر بواسطة خاص / لا ميديا
دمشق - خاص / لا ميديا -
مرة جديدة اندلعت اشتباكات عنيفة في حلب، بين فصائل عسكرية تابعة لنظام الجولاني في سورية، وعناصر «الأسايش»، وهي قوات أمنية كردية، تابعة لقوات سورية الديمقراطية «قسد» التي تسيطر بإشراف أمريكي على مناطق شرق الفرات في سورية، وبعض مناطق شمال حلب، وحيي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب، التي دارت فيها الاشتباكات.
اللافت أن هذه الاشتباكات، اندلعت بشكل مفاجئ، رغم أن كل الأجواء كانت تؤكد بأنها تسير إلى اتفاق شبه منته بين سلطة الجولاني و«قسد»، بعد الاشتباكات الأخيرة التي جرت في المدينة، قبل أقل من أسبوعين، وتلاها استدعاء أمريكي لوزير الخارجية التركي حقان فيدان إلى واشنطن، ومكالمة هاتفية بين أردوغان وبوتين، أعلن بعدها أردوغان بأنه موافق على الاتفاق بين «قسد» وسلطة الجولاني، وعقدت جولة من المحادثات بين الجانبين في دمشق وبرعاية أمريكية، قبل يوم واحد من الاشتباكات الأخيرة في حلب، لوضع «اتفاق العاشر من آذار»، والتفاهمات التي تلتها موضع التنفيذ، فماذا حدث حتى اندلعت هذه الاشتباكات؟
كنا نقول سابقا، في أي حدث ليس في سورية فقط، وإنما في كامل المنطقة «فتش عن الإسرائيلي»، وفي سورية اليوم، أصبح الوضع يقول «فتش عن الإسرائيلي والتركي».
يفك لغز هذه الاشتباكات، ما جرى في العاصمة الفرنسية باريس، في التفاوض بين سلطة الجولاني ممثلة بوزير خارجيتها أسعد الشيباني، ومدير المخابرات حسين سلامة، ومقابله تمثيل متدن من الجانب «الإسرائيلي»، ممثلا بسفير «تل أبيب» في واشنطن، ومستشار نتنياهو الأمني، وبرعاية أمريكية ممثلة بالمبعوث الأمريكي لمنطقة «الشرق الأوسط» ستيف ويتكوف، والمبعوث الأمريكي إلى سورية توماس باراك، لكن اللافت، أن وزير الخارجية التركي حقان فيدان، كان مواكبا بشكل مباشر لهذه المحادثات، من خلال تواجده في باريس، للإشراف عليها، وتحديدا على الجانب السوري فيه.
النقطة المفصلية في هذه المفاوضات، أنها كانت إيجابية وفق توصيف الأطراف الثلاثة المشاركين فيها، لكن لتركيا موقفا آخر، وهو ما استدعى موقفا منها، لتكريس واقع على الأرض لصالحها، في إطار التنافس الشديد، مع الكيان «الإسرائيلي» لتقاسم النفوذ في سورية، فكانت الاشتباكات في حلب، التي بدأتها الفصائل التي تعمل بإمرة تركيا، لحسم الوضع في حلب لصالحها، وإخراج قوات «قسد» منها.
الاشتباكات بداية دارت سجالاً، وحقق المقاتلون الأكراد تفدماً، لكن تركيا قدمت للفصائل التي تعمل بإمرتها مساعدات لوجستية واستطلاعية، وخاصة خلال الليل، مما سمح لها بالتقدم، وتم الحديث عن دخول هذه القوات إلى الحيين، ودخول باصات لنقل المقاتلين الأكراد، من حلب إلى مناطق سيطرة «قسد» في شرق الفرات، لكن ما ظهر فيما بعد، أن الأمور لم تحسم، وأن فريقاً من الأكراد يرفض الخروج، وأن تفاوضا يجري، للتوصل الى اتفاق حول الوضع في المدينة.
بغض النظر عن أي نتيجة ستسفر عنها هذه الاشتباكات، فإن ما جرى يذكرنا بما حدث بعد مفاوضات مماثلة، جرت في العاصمة الأذربيجانية (باكو) واعتبرتها سلطة الجولاني في حينه، بأنها ضوء أخضر لتكريس سلطتها في سورية، فكانت أحداث السويداء الدموية، لكن سلطة الجولاني وباعتراف مسؤولين كبار فيها، اعترفت بأن السويداء كانت فخاً وقعت فيه، وانتهت بخسارة كبيرة لها، وخروج شبه تام للسويداء والجنوب السوري من سيطرتها، وتكريس السيطرة والهيمنة «الإسرائيلية» في المنطقة، وهو ما تحاول تركيا أن تقوم به في الشمال السوري.
هذا يؤكد، أن معركة حلب لم تنته، مهما كانت نتيجة المعركة الحالية، وإنما سيكون وراءها الكثير من التوقعات، والتي قد تصل الى حد المفاجآت، لأن ما يجري في حلب، لا يتعلق فقط بخريطة السيطرة على المدينة، وإنما على الوضع في سورية ككل، ولا نبالغ في القول إنه يخص المنطقة كلها، نظرا للأهمية الجيوسياسة للمدينة، ولوضع تركيا ونفوذها في سورية وعموم المنطقة، وهذا يذكرنا بمعركة «مرج دابق» قرب حلب عام 1516 بين المماليك والعثمانيين، وانتصر فيها العثمانيون، وكان هذا الانتصار، الفاتحة لقيام الإمبراطورية العثمانية، لأن القوات العثمانية، دخلت بعد انتصارها في حلب، الى كل مدن بلاد الشام والرافدين بدون قتال.
الموقف الأمريكي مما يجري في حلب، كان لافتا في هدوئه، باعتبار أن الطرفين («قسد» وسلطة الجولاني) يعملان تحت أنظارها وإدارتها، وهذا ما ظهر في البيان الذي أصدره المبعوث الأمريكي توم باراك، والذي يفهم منه خلاصة من جملة واحدة تقول «نحن بانتظاركم للتفاوض»، مما يؤكد بأن هذه الاشتباكات تسير تحت سيطرتها، ولم تخرج عن خطوطها الحمراء، وأنها تمهد لمفاوضات تحت النار، بين سلطة الجولاني و«قسد»، ومن الخلف تركيا.
بعد الاشتباكات تدخلت أطراف إقليمية ودولية عديدة، ومنها السعودية وفرنسا، لوقف القتال والانتقال إلى التفاوض، لوضع حد للخلافات بين الجانبين، وتطبيق اتفاق آذار العام الماضي، وهو ما يتوقع أن يجري في الفترة التي تلي توقف القتال.
وفي هذه المفاوضات، سيكون الجانبان (وتركيا) تحت رحمة الأمريكيين، حيث إن «قسد» تعمل بشكل كامل بتوجيهاتهم ورعايتهم، كما أن سلطة الجولاني ستكون تحت رحمتهم، لأنهم سيضعون سيف قرار مجلس الأمن الدولي رقم (2799) فوق رقبتها، عبر توصف الأحداث فيما إذا كانت تنتهك القرار أو لا تنتهكه، وذلك وفق ما تقتضيه مصالحها، ومصالح «تل أبيب».
أما تركيا، فيعتقد أنها ستخرج «من المولد بلا حمُّص» كما يقول المثل الشامي، وهذا يعني بدون أي مكاسب معتبرة على الأرض، كما كانت تأمل من فتحها لمعركة حلب، لأن القرار بيد الأمريكي، المتماهي مع الموقف «الإسرائيلي» بكل شيء، وفي هذا الموضوع، ترفض «إسرائيل» أي نفوذ لتركيا، حتى في الشمال الملاصق لها، كما أن القرار الدولي المتخذ، بإنهاء دور الإسلام السياسي، يمنع من إعطاء تركيا أي نفوذ يقوي من موقفها، فيما المطلوب إضعاف هذا الدور، إلى حد التهديد بتقسيمها، وهذا يضع كلمة السر والفصل للوضع السوري في واشنطن و«تل أبيب»، والباقي ليس سوى مجرد تفاصيل صغيرة فقط.










المصدر خاص / لا ميديا