تركيا ومصر والسعودية والأردن في سورية..ماذا يقول التاريخ؟
- حسني محلي الأحد , 15 فـبـرايـر , 2026 الساعة 12:11:28 AM
- 0 تعليقات

حسني محلي / لا ميديا -
الأربعاء الماضي (11 شباط) قال الرئيس رجب طيب أردوغان في اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب «العدالة والتنمية» الذي يتزعمه «إن تركيا ستتعاون مع مصر والسعودية والأردن في ما يتعلق بالملف السوري»، مؤكداً «ضرورة تنفيذ اتفاقيتَي 10 مارس 2025 و18 يناير 2026 بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية»، مشدداً على «ضرورة ألا تخطئ الأطراف المعنية في حساباتها أو تكرار أخطائها السابقة إن كان في سوريا أو المنطقة».
أقوال الرئيس أردوغان هذه جاءت بعد الزيارة التي قام بها إلى الرياض والقاهرة 4-5 شباط/ فبراير حيث التقى ولي العهد محمد بن سلمان والرئيس عبدالفتاح السيسي وبحث معهما مجمل القضايا الإقليمية التي تهم الأطراف الثلاثة، وأهمها الوضع في سوريا وليبيا والسودان والصومال واليمن وغزة.
وسبق للدول الثلاث ومعها الكيان العبري أن أعلنت عن مشاركتها في «مجلس السلام» الذي أسسه الرئيس ترامب، وسيعقد أول اجتماع له على مستوى الرؤساء في 19 الشهر الجاري.
ومع الإعلان عن الزيارة التي سيقوم بها أردوغان لكل من الإمارات وإثيوبيا خلال هذا الأسبوع، تستمر أنقرة في مساعيها بالتنسيق الإقليمي لمنع الحرب الأمريكية -«الإسرائيلية» على إيران، التي حققت وبفضل تحركاتها الدبلوماسية والعسكرية تفوّقاً مثيراً حيث رفض الرئيس ترامب ابتزازات نتنياهو خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن.
ومن دون التذكير بالفتور والتوتر الذي شهدته علاقات أنقرة مع القاهرة بعد الإطاحة بالرئيس الإخواني محمد مرسي عام 2013، إذ شن الرئيس أردوغان هجوماً عنيفاً ضد الرئيس السيسي وقال عنه ما لا يقال في العلاقات الشخصية والدبلوماسية، وهو ما انتهى بالمصالحة التي توسط لها أمير قطر تميم آل ثاني في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022؛ فوجئ الجميع بالزيارة المفاجئة التي قام بها العاهل الأردني عبدالله إلى إسطنبول 7 شباط/ فبراير ولقائه الرئيس أردوغان.
وأما المفاجأة الثانية التي أثارت اهتمام الأوساط السياسية والإعلامية التركية فقد تحققت عندما منح الملك عبدالله الرئيس أردوغان قلادة الملك الحسين بن علي، وهي أعلى وسام في المملكة الأردنية الهاشمية.
ويتهم الرأي العام التركي السياسي منه والشعبي الحسين بن علي وهو من مواليد إسطنبول خلال الحكم العثماني بالتحالف مع بريطانيا والتمرد على الدولة العثمانية في حزيران/ يونيو 1916، وهو ما يعرف بالثورة العربية التي يعدّها الأتراك «خيانة عظمى وطعنة في الظهر» من العرب ضد أشقائهم الأتراك.
ومن دون أن يجد أحد أي تفسير لهذا الوئام الأردني -التركي المفاجئ وتوقيته الزمني إذ عاد البعض إلى ذكريات الدولة العثمانية التي يتغنى أردوغان بعظمتها، والتي تمرد آل سعود أيضاً ضدها قبل الشريف حسين بنحو مائة عام. وذلك بعد أن تحالف عبدالله بن سعود مع محمد بن عبدالوهاب، مؤسس الحركة الوهابية، وأعلنا معاً تمردهما على الدولة العثمانية بتحريض ودعم من بريطانيا.
ودفع ذلك الدولة العثمانية إلى الاستنجاد بحاكم مصر محمد علي باشا الذي أرسل ابنه إبراهيم باشا فقضى على التمرد وأسر عبدالله بن سعود بعد حصار الدرعية عام 1818 وأرسله إلى إسطنبول مكبّلاً بالسلاسل.
ومع اختلاف الرواية السعودية التي تتحدث عن تعذيب وتنكيل بشع إلا أن الوثائق العثمانية تقول إن السلطان محمود الثاني قد أمر بضرب رأس عبدالله بن سعود بعد أن وضعه في عربة يجرها الحمير وتجوّلت به في شوارع إسطنبول. ويرى الكثيرون في هذه الأحاديث السبب الرئيسي لحالات الفتور والتوتر (بما في ذلك حادثة مقتل جمال خاشقجي في إسطنبول في أكتوبر/ تشرين الأول 2018) التي خيّمت دائماً على العلاقات السيئة بين تركيا وبني سعود الذين منحتهم بريطانيا أرض الحجاز لتكون مملكة لهم بعد أن استمروا في تحالفهم معها ضد الدولة العثمانية قبل وبعد اتفاقيات «سايكس بيكو» ووعد «بلفور وسيفر» وحتى سقوط الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى.
وبالتذكير بالتنسيق التركي -السعودي -القطري المدعوم من واشنطن والعواصم الغربية في بدايات ما يسمى بـ»الربيع العربي»، وهو ما اعترف به حمد بن جاسم رئيس وزراء قطر السابق في أكتوبر/ تشرين الأول 2017، وبعد أن تدهورت علاقات بلاده مع السعودية والإمارات والبحرين ومصر في حزيران/ يونيو 2017، فقد استغلت تركيا هذه الأحداث فأرسلت جيشها إلى قطر الممول الرئيسي لحركات الإسلام السياسي لحماية «آل ثاني» حلفاء واشنطن التي لها أهم قاعدتين وهي السيلية والعديد في هذا البلد العربي حليف تركيا منذ استلام «العدالة والتنمية» السلطة نهاية 2003.
وبالتذكير أيضاً بما قاله الرئيس ترامب أكثر من مرة عن «إرسال الرئيس أردوغان رجاله ليحكموا في سوريا التي يحلم الأتراك بالسيطرة عليها منذ مئات السنين»، وبلقائه الرئيس أحمد الشرع في الرياض والبيت الأبيض بناء على توصية أردوغان ومحمد بن سلمان وأحياناً نتنياهو، يبقى الرهان في نهاية المطاف على القواسم المشتركة بين تركيا والدول التي تحدث أردوغان عن التنسيق معها في ما يتعلق بسوريا وهي السعودية والأردن ومصر التي ترى في الإسلاميين الخطر الأكبر بالنسبة لها.
وقد يضيف الرئيس أردوغان إليها إثيوبيا عدوة مصر، والإمارات عدوة الإخوان المسلمين، والتي سيزورها هذا الأسبوع على الرغم من خلافات الرياض مع أبوظبي في اليمن ومع مصر وتركيا في الصومال والسودان، ومن دون أن ينسى أردوغان أبداً أهمية قطر بالنسبة له.
وقد تكون كل هذه المعطيات هي الدافع الرئيسي وراء تحركات الرئيس أردوغان للخروج بمظهر اللاعب الرئيسي «غير العربي» في المنطقة وعبر الوساطات بين كل الأطراف ليثبت للجميع في الداخل التركي وخارجه بأنه زعيم إقليمي ودولي بعد وساطاته بين طهران وواشنطن وقبل ذلك بين كييف وموسكو، بل وربما بين واشنطن وكاراكاس في ما يتعلق بصديقه مادورو.
وفي جميع الحالات، وحتى إن نسي أو تجاهل الجميع كل ذكريات التاريخ السيئة بين كل أطراف المنطقة التي حكمها العثمانيون الأتراك 400 سنة، يعرف الجميع أهمية الدور الرئيسي الذي لعبته أنقرة في إسقاط نظام الأسد وإيصال الجولاني وفصائله إلى السلطة التي يبدو واضحاً أن من يؤثر بها هو أنقرة وليس القاهرة أو الرياض أو عمّان أو الدوحة، وبغياب وحدة الرأي والموقف العربي المتصارع إن لم نقل المتآمر في ما بينه دائماً.
ويعرف الجميع أيضاً أن الرئيس ترامب يرى في الرئيس أردوغان وتركيا البلد الأكثر أهمية بالنسبة له ولحساباته الشخصية باعتراف توم برّاك وحسابات واشنطن الإقليمية والدولية التي ستكتسب وضوحاً أكثر بعد أن تتحقق المصالحة بين الرئيس أردوغان ورئيس وزراء الكيان العبري الصهيوني نتنياهو، وقد نرى مؤشرات ذلك في اجتماع الهيئة العليا لـ«مجلس السلام» في غزة المتوقع له أن يكون 19 الشهر الجاري.
وفي جميع الحالات وحتى إن تجاوز الجميع ذكريات التاريخ القريب منه والبعيد، فقد بات واضحاً من تصريحات الرئيس أردوغان ووزير خارجيته هاكان فيدان المتتالية والمتكررة أن أنقرة لا ولن تتخلى عن مشاريعها ومخططاتها في سوريا والعراق بالدرجة الأولى باعتبارهما العمق الجغرافي لحساباتها الاستراتيجية، كما لن تتخلى عن النهج العقائدي أي «الإسلام المعتدل» والذي تبناه الرئيس أردوغان داخلياً وخارجياً وقامت واشنطن بتسويقه في مشروع الشرق الأوسط الكبير ومن بعده في «الربيع العربي» الذي دمر المنطقة برمّتها.
وكان الكيان العبري هو الرابح الأكبر في كل ما عاشته المنطقة في الوقت الذي اكتفى ويكتفي فيه الحكام العرب والمسلمون بالتصريحات والمقولات العاطفية الجوفاء التي فقدت كل مصداقيتها بل وجديتها بعد أن أثبتت تطورات السنوات الماضية أن لا أحد في المنطقة يثق بالطرف أو الأطراف الأخرى، وبعد أن طعن كل طرف بالطرف أو الأطراف الأخرى وهو ما زال يفعل ذلك ما دام وكما يقول المثل الشعبي «كلنا في الهوا الأمريكي سوا»!










المصدر حسني محلي
زيارة جميع مقالات: حسني محلي