تقرير / لا ميديا -
للأسبوع الثالث على التوالي، تواصل أزمة الغاز المنزلي خنق مدينة عدن المحتلة، وسط شكاوى متصاعدة من صعوبة الحصول على أسطوانات الغاز وارتفاع أسعارها في السوق السوداء، بالتزامن مع أزمة في وقود المركبات ألقت بظلالها على حركة النقل والحياة اليومية، فيما تواصل حكومة الفنادق غيابها عن معاناة المواطنين وانشغالها بنهب المال العام لمصالحها الخاصة.
ومنذ ساعات الصباح الأولى، تصطف أعداد كبيرة من المواطنين أمام مراكز بيع الغاز، أملاً في الحصول على أسطوانة تكفي احتياجات أسرهم، غير أن الانتظار لساعات لا يضمن الحصول عليها، إذ سرعان ما تنفد الكميات المتاحة، ما يدفع كثيرين إلى اللجوء للسوق السوداء وشراء الأسطوانة بأسعار تفوق السعر الرسمي بأضعاف.
ويؤكد سكان المدينة المنكوبة أن الأزمة الحالية لم تعد تشبه حالات النقص المؤقت التي كانت تظهر بين حين وآخر ثم تعود معها عملية التوزيع إلى طبيعتها، بل تحولت خلال الأشهر الماضية إلى مشكلة متكررة، تثقل كاهل الأسر وتضيف عبئاً جديداً إلى قائمة طويلة من الأزمات المعيشية، في ظل تأخر المرتبات وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار المواد الأساسية وتردي الخدمات، وفي مقدمتها الكهرباء.
وتتضاعف وطأة الأزمة مع اشتداد حرارة الصيف والانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، ما يحول الحياة اليومية في المدينة إلى معاناة متواصلة، ويجعل توفير أبسط الاحتياجات المنزلية، ومنها أسطوانة الغاز، مهمة شاقة للأسر التي تكافح أصلاً لتأمين احتياجاتها الأساسية.
وفي مديرية الشيخ عثمان، برزت شكاوى بشأن آلية توزيع حصص الغاز، وسط بلاغات تتحدث عن قيام بعض الوكالات ومراكز البيع بتصريف كميات مخصصة للاستهلاك المنزلي إلى المطاعم، الأمر الذي أثار مطالبات بالتحقيق في آلية توزيع الحصص، والتأكد من وصول الكميات المخصصة للأسر إلى مستحقيها.
وقال أحد العاملين في متابعة ملف الغاز بالمديرية إن شكاوى المواطنين بشأن نقص الغاز تزايدت خلال الأيام الأخيرة، خصوصاً في مناطق الممدارة وقلب الشيخ عثمان، مشيراً إلى أن وتيرة هذه الشكاوى أصبحت أعلى من الفترات السابقة.
وبالتوازي مع شح المعروض، تشهد أسعار الأسطوانات ارتفاعاً حاداً، إذ وصل سعر الأسطوانة إلى  18 ألف ريال، وسط تساؤلات عن أسباب هذا الارتفاع، خصوصاً مع استمرار الحديث عن حصص مخصصة للمطاعم يجري توفيرها بصورة دورية عبر الجهات المعنية.
ويطرح ذلك تساؤلات حول مسارات توزيع الغاز، ومدى الفصل بين الحصص التجارية والكميات المخصصة للاستهلاك المنزلي، وما إذا كانت الأزمة ناجمة عن نقص حقيقي في الإمدادات أم عن خلل في آليات التوزيع والتسويق.
وفي السياق ذاته، تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي اتهامات بوجود شبكات نافذة تعمل على تخزين كميات من الغاز في أحواش خاصة، ثم إعادة ضخها إلى السوق السوداء عند اشتداد النقص، وربطوا ذلك بمسارات توزيع المخصصات وحركة مقطورات الغاز بين المحافظات المحتلة.
وطالب الناشطون بفتح تحقيق في هذه الاتهامات، والكشف عن أي مسؤولين أو نافذين يثبت تورطهم في احتكار أو تخزين كميات الغاز أو تحويل حصص المواطنين إلى السوق السوداء، إلى جانب تتبع مسار الإمدادات منذ خروج المقطورات وحتى وصولها إلى مراكز البيع، لمعرفة أين تتسرب الكميات التي يفترض أن تصل إلى الأسر.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على صعوبة الحصول على الغاز أو ارتفاع سعره، بل تتسع لتضاعف الأعباء المعيشية على المواطنين، في ظل انقطاع الكهرباء والمياه وارتفاع درجات الحرارة وتراجع القدرة على تحمل موجة الغلاء المتواصلة.
وفي موازاة أزمة الغاز، يواجه سكان عدن أزمة أخرى في وقود المركبات، انعكست على حركة المواصلات مع تراجع أعداد الحافلات وسيارات الأجرة وارتفاع أجور النقل، فيما اضطر كثير من السكان، ولا سيما الموظفين والطلاب، إلى تقليص تنقلاتهم أو تحمل تكاليف إضافية لا تتناسب مع أوضاعهم المعيشية.
ومن أسطوانة الغاز التي تبحث عنها الأسرة لساعات، إلى وقود السيارة الذي يفتقده المواطن في الطرقات، إلى انقطاع التيار الكهربائي أغلب ساعات اليوم، تتسع دائرة الاختناق في مدينة عدن المحتلة، فيما تبقى الأزمات المعيشية تتراكم من دون حلول، وتظل حكومة الفنادق وسلطات الارتزاق عاجزة عن تقديم تفسير واضح لمسارات الإمدادات وأسباب النقص وارتفاع الأسعار.
وبينما تتوالى أزمات الغاز والوقود والكهرباء والمياه، يتحمل الاحتلال وأدواته، وفي مقدمتها حكومة الفنادق وسلطات الارتزاق، المسؤولية الكاملة عن هذا التردي المعيشي، الذي لم يعد طارئاً أو عابراً، بل نتيجة لسياسة ممنهجة في تضييق سبل الحياة على المواطنين في المحافظات المحتلة.