ملحق «لا» 21 السياسي - العدد (1897)
- تم النشر بواسطة «لا» 21 السياسي
مشنقة وزرٍ وحبل زورٍ.. ورقبة
علي عطروس
بسم الله؛ ليس على طريقة من يستجدون السيادة من خلف زجاج البيت الأبيض، بل بثبات من يسفون تراب الحق ويختمون المائيات بالبارود والباليستي.
حسناً، لا يُقرأ التاريخ من نشرات الأخبار، ولا من كواليس البنتاغون المثقوبة بفضائح إبستين وأقنعة اللاتكس. لقد انتهت حقبة الرجاء السياسي، وطويتْ إلى غير رجعة أوهام المحاصر الذي يتوسل فتح موانئه لتستقر بدلاً عنها معادلة سيادية يمنية حاسمة وعابرة للبحار: الحصار بالحصار!
كما لا يقاس صنيع الأمم العظيمة بعدد الحقائب الدبلوماسية التي تطايرت ذعراً في مسق، ولا بحجم الإعانات التي ذهب بعض المرهونين يستجدونها في واشنطن على طريقة النزهة العائلية المميتة للكرامة؛ بل يقاس بمن يملك ختم الولوج والخروج عند عقد الأرض، ومن يصنع القرار حين تتردى أقنعة الإمبراطوريات التائهة.
هنا في ملحق «21 أيلول السياسي» نضع مشرط التحليل الساخر والمكنوز بمعيار السيادة المطلقة، لنفكك كيف أعادت صنعاء ترسيم جغرافيا الملاحة الدولية في باب المندب، وكيف استحالت غطرسة الغضب الملحمي الأمريكي إلى ركود يكسر ظهر أوهام واشنطن فوق صخرة كوه كلنغ وعقيدة الكود 110.
إن الجغرافيا ليست دكاناً عائلياً يباع في كواليس واشنطن، ولا الملاحة الدولية رخصة تمنحها البارجات الأطلسية، بل هي حيث يُعاد ترميم التاريخ ويتجدد رفض الوصاية وفرض السيادة حباً وكرامة.
إننا نشهد زَمَنا يتلقى ويُلقن فيه الإمبريالي العجوز دروساً لأطول الطرق عن كيفية الشنق بخيط أوهامه على خشبة العالم، وعن كيفية الغرق في المستنقع الملحمي تحت سابع أرض.
من مطارح اللاتكس وأقنعة الغرب المتآكل في واشنطن، إلى المواخير الموزعة بين أوراق إبستين، تتكشف الحقيقة مسرحية هزلية لا تغسلها الخراطيم في سجون الصهاينة، ولا زيف النسب البولندي لأحفاد بوشار الليكود.
إن الأمة التي ترسم الكود 110 في عمق الجرانيت، وتعيد إعمار الوعي الباليستي والمسيّرات، لا تنتظر شهادة من ناورو، ولا صفقات نووية مشروطة بالتطبيع المذلول... ولا عزاء لخصيان العزة والجاز.
نضع بين أيديكم أعزائي هذا الملف الساخر الممتلئ ببارود الحقيقة، والمتفجر ببارودة الحق. يا مرحباً بكم.
زفة عائلية في واشنطن.. والـ911 لا يُجيب!
طرقت «اللمة العائلية» للبنان أبواب البيت الأبيض بالكنات والأحفاد، وبلا وزراء، وكأن الدولة دكان عائلي يبحث عن «سوديكسو» للسلام، فابتسم ترامب ولسان حاله: اذهبوا إلى الجولاني أو نتنياهو، فالبيت الأبيض ليس فرعاً للإعانات!
على الجانب الآخر من الخيبة، كانت بَدّالَةُ الاستنجاد السعودي (911) تقول: الرصيد لا يكفي!... واشنطن تنصح بالصبر. وإسلام آباد تقترح –على سبيل التجربة– رفع علمها على الناقلات! ينتهي المشهد بركضٍ خلف سراب، ورئيس يطارد كاتب تغريدة بطلبٍ من «الوصي مزعل بن فرحان» مدري «يزيد بن فرحان»؛ لأن الكلمة في هذا الزمن أشد جرماً من سرقة 160 مليار دولار أو تفجير مرفأ بيروت، كما كتب حسن عليق.
اليمن يختم باب المندب.. واللغة الصينية هــي الحــل!
بينما تعقد البارجات الغربية مؤتمرات البكاء وتغرق في الظلام، ترفع الناقلات العملاقة لوحة بسيطة: «الطاقم صيني والوجهة آمنة». يبتسم باب المندب، ويصبح ختم السيادة يمنياً خالصاً، يصنع معادلة «الحصار بالحصار». وفي مسقط، تتطاير حقائب الدبلوماسية السعودية التي ذهبت تبحث عن وساطة بعدما تبخر «بنك الأهداف»؛ فالرياض أدركت –قبل احتراق ينبُع– أن التحالفات التي تُشترى بالأموال تشبه تأمين السيارات: تُغطي كل شيء إلا الحوادث التي تقع بالفعل!
كيف أدارت صنعاء خِناقَ البحر وأعادت مفرزة الملاحة في باب المندب؟
لم تعد المعركة القائمة في مياه البحر الأحمر ومشارف باب المندب مجرد جولة تفاوضية تحت النار، ولا محاولة عابرة لتحسين شروط الهدنة. لقد انكسرت إلى غير رجعة حقبةُ «المُحاصَر الذي يتوسّل فتحَ موانئه»، لتستقر بدلاً منها معادلةٌ سياديةٌ صلبة: «الحصارُ بالحصار».
حين أعلنت صنعاء فرض الحظر الملاحي على العدو السعودي، لم تكن تُطلق شعاراتٍ سياسية، بل كانت تُدشن هندسةً جديدة لغرب آسيا، مفادها أن القوة في هذا العصر لا تكمن في ملكية آبار النفط، ولا في تكديس الترسانات الأطلسية، بل في الإمساك بـ«العُقَد الحيوية» التي تحرك شرايين الاقتصاد العالمي.
ظنّ النظام السعودي أن تحويل شحناته النفطية نحو ميناء «ينبُع» عبر أنبوب «شرق - غرب» سيوفر له مخرجاً آمناً يتجافى به عن إغلاق مضيق هرمز. غير أن اشتعال الناقلتين «إنسيليا» و«ليلى» قبالة سواحل الشقيق وجيزان أثبت أن «صمام الأمان» المفترض ليس سوى خط محاصر آخر يقع في مرمى النار.
وفي مشهد يكشف مدى الهشاشة البنيوية والعزلة الاستراتيجية. تحولت هواتف الرياض إلى خطوط استنجاد ساخنة: من واشنطن التي ربطت حمايتها بالنزاع الشامل مع إيران، إلى إسلام آباد التي اعتذرت بالبنود القانونية للاتفاقيات، وصولاً إلى أبوظبي التي ذكّرت بمرارة جراح المكلا. لقد اكتشفت الرياض -بعد فوات الأوان- أنها تدفع المليارات لشراء حماية زجاجية تتهاوى مع أول صاروخ يمني. فلم تجد أمامها سوى التوسل مجدداً عبر بوابة مسقط لاحتواء الإعصار.
في المقابل، يرسم المشهد الملاحي حقيقة المرجعية الجديدة في البحر الأحمر. فعبرت الناقلتان الصينيتان العملاقتان «شين لونغ يانغ» و«كوسنيو ليك» محملتين بـ4 ملايين برميل من النفط، ليس بحماية الأساطيل الغربية، ولا ببعثة «أسبيدس» الأوروبية الخائبة، بل بـ«تصريح سيادي صريح صادر من صنعاء».
هذا العبور الآمن لم يكن استثناءً لوجستياً، بل كان إعلاناً عملياً لانتهاء زمن الوصاية الأطلسية على مضيق باب المندب؛ فمن يملك الإذن هو من يملك السيادة، ومن يملك الشجاعة لإغلاق الممر أمام المعتدي يملك وحده حق منح الأمان لمن يحترم إرادة الشعوب.
إن قفز أسعار خام برنت لتتجاوز حاجز الـ100 دولار للبرميل، وتخبط المصافي العالمية بين الطواف المكلف حول أفريقيا بزيادة 30 يوماً، أو التوسل لشحنات بديلة، أثبت أن «الهامش الجغرافي» الذي أرادوا خنقه طوال 12 عاماً قد تحول إلى «مركز قرار دولي».
وحتى المحاولات الأمريكية-الصهيونية اليائسة للالتفاف على هذا الحصار عبر إنشاء القواعد والتمدد في أرض الصومال وجيبوتي، واستنساخ «نموذج الإبادة والاستثمار العقاري» المتبع في غزة على الموانئ الأفريقية، لن تغير من الحقيقة شيئاً؛ فالكرامة ليست عقاراً يُشترى بالأموال، بل إرادة صمود تُفرض في الميدان.
لن تُكتب خرائط «اليوم التالي» في واشنطن، ولن تُصاغ في أروقة النظام السعودي المنهك بين قروضه الاستهلاكية وتداعيات حصاره. لقد أثبتت صنعاء أن من يتحكم بسلاسل التوريد ويملك قرار الممر والموقف هو وحده من يملك القلم ليكتب السطور الأولى للنظام الإقليمي الجديد. والكلمة الأولى والأخيرة كانت وستبقى للأرض ومن يسف ترابها دفاعاً عنها.
ليست المشكلة في جغرافيا البحار، بل في جغرافيا السيادة. من يملك مفتاح باب المندب لا يحتاج لإشعار واشنطن. ومن يملك الشجاعة لإغلاق الممر أمام المعتدي يملك وحده جدول أوقات الملاحة الدولية.
اعتــذارات بالعبرية!
سعى النظام السعودي لـ«نوويٍّ بلا تخصيب»، فحصل على سمكةٍ بلا صنارة! يخرج ترامب ليفضح الصفقة علناً: «لا تخصيب ولا سيادة إلا بالتطبيع الكامل». يُسارع النظام إلى الاعتذار لـ«تل أبيب» والإمارات عبر شاشاته، وتستضيف «العربية» ناطقة الجيش الصهيوني بابتسامةٍ عريضة، بعد أن كانت قد احتضنت بلهفة وشوق رئيس الكيان «الإسرائيلي»، إسحاق هيرتسوغ، في مسابقة بائسة لتقديم خطابات الاعتماد تحت أقدام نتنياهو.
الإمبراطورية التي تُشنق بخيط فشــــــل!
توهّموا أن اغتيال الأعلام يكسر العقيدة، ففوجئوا بـ«الكود 110» ينفتح كأبواب الجحيم في ساعتين، محولاً غطرسة «الغضب الملحمي» إلى ركودٍ يكسر ظهر النفط فوق 100 دولار. لستَ بحاجة لإسقاط القواعد حين تملك قدرة «نزع الهشاشة»؛ فالأردن يكذب، والكويت تتوجس على محطات التحلية، ولندن ترتعد لأن صواريخ «فتاح 2» لا تحتاج أكثر من 19 دقيقة لتصل ضواحي لندن... في واشنطن، يصرخ الوزراء: أعطونا أموالاً؛ فيجيبهم السيناتورات: كذبتم على الشعب وحربكم الملحمية مجرد فشلٍ ملحمي!
شطرنج طهران والـ 30 % التي أذهلت العالم!
منشأة «جبل الفأس» المطمورة تحت الجرانيت تقف حائلاً أمام القنابل، بينما تحسب واشنطن صواريخ الباتريوت المهدورة لتكتشف أن 70٪ من ترسانة طهران ما زالت تنتظر! تلعب إيران الشطرنج بينما يلهو البيت الأبيض بالدومينو؛ تصيب قواعد الخليج بـ«الموجة 26»، وتذكّر الكويت بأيام خمدت فيها آبارها بأيدي 47 خبيراً إيرانياً، وتقول للجميع: من يفتح أرضه للأشرار ستحرقه نيران الجار.
الانشطار اللوجستي في غرب آسيـا
لم يعد العبور عبر باب المندب مسألة مسافة ونظام تتبُّع آلي، بل أصبح عنواناً واضحاً لميزان السيادة. خَارِطَةُ الملاحة الدولية تُقرأ اليوم وفق معيار صريح: من يمتثل لقرار الحظر اليمني يحوز الأمان والوقت، ومن يحاول التذاكي أو الالتفاف يدفع الثمن في وقوده وزمنه وسفنه.
أولاً: الممرات الثلاثة.. جغرافيا السيادة مقابل كلفة التخبط
1. مسار باب المندب (العبور بالتصريح السيادي)
المسار: الخط المباشر عبر الممر المائي الحاكم.
الفئة المسموح لها: السفن التجارية والناقلات الممتثلة لقرار الحظر.
الفارق الزمني: صفر أيام تأخير (جدول الإبحار الطبيعي).
الكلفة المالية: تكاليف شحن وتأمين طبيعية دون أي علاوات مخاطر إضافية.
مرجعية القرار: القوة البحرية اليمنية - صنعاء.
2. مسار رأس الرجاء الصالح (الطواف حول أفريقيا)
المسار: خط الهروب الاضطراري حول القارة الأفريقية.
الفئة المحظورة: السفن والناقلات المرتبطة بالنظام السعودي.
الفارق الزمني: 30 إلى 35 يوماً إضافياً (+3,500 ميل بحري).
الكلفة المالية: زيادة تُقدر بمليون دولار لوقود الرحلة الواحدة مع تضاعف كلفة التأمين البحري.
مرجعية القرار: الانصياع القسري لكلفة المخاطر وتقلبات الأسواق.
3. مسار سيدي كرير/ أنبوب «سوميد» (التصريف المؤقت)
المسار: نقل النفط عبر خطوط الأنابيب من البحر الأحمر إلى المتوسط عبر الأراضي المصرية.
الفئة المستهدفة: الشحنات السعودية المحولة يائسةً لتفادي مرصد صنعاء في البحر الأحمر.
الفارق الزمني: 10 إلى 15 يوماً إضافيياً (نتيجة عمليات التفريغ، الضخ، وإعادة التحميل).
الكلفة المالية: رسوم تفريغ ونقل إضافية مع محددات سعة أنبوبية لا تستوعب حجم التدفق المطلوب.
مرجعية القرار: حلول مؤقتة تصطدم بمحدودية الطاقة الاستيعابية.
ثانياً: الأرقام الحارقة.. أثر المعادلة في سوق الطاقة
[100,66$ +] سعر خام برنت المباشر مع فتح الأفق لنحو 120$ - 150$.
[30 يوماً] التأخير القسري لإمدادات نفط الخليج المتجهة إلى آسيا وأوروبا.
[4,000,000] برميل نفط سعودي عبرت بأمان على ناقلتين صينيتين بتصريح سيادي يمني.
[12% - 25%] نسبة حركة التجارة والحاويات العالمية المحظورة على دولة العدوان.
ثالثاً: دراسة حالة في الميدان.. نموذج الامتثال مقابل نتيجة التحدي
الحالة (أ): نموذج «العبور الآمن»
السفن: الناقلتان العملاقتان (Xin Long Yang) و(Cosnew Lake).
الإجراء: إعلان طاقم صيني تقديم طلب عبور رسمي والامتثال للتعليمات البحرية اليمنية.
النتيجة: عبور سلس وسريع بحمولة 4 ملايين برميل نفط من ينبُع دون اعتراض.
الحالة (ب): نموذج «تجاهل الحظر»
السفن: الناقلتان النفطيتان (ENCELIA) و(LAYLA).
الإجراء: محاولة مخاتلة قرار الحظر والتسلل قبالة سواحل الشقيق وجيزان.
النتيجة: استهداف مباشر بالصواريخ والمسيّرات، اشتعال النيران، والعودة إلى مربع الاستنجاد والوساطة.
الخلاصة التوثيقية:
تثبت المعطيات الميدانية أن المعركة البحرية تجاوزت السلاح التقليدي لتستقر عند إعادة تعريف ملكية الشبكات وعقد التدفق. لم يعد السؤال: كيف تُبحر السفن؟ بل: من يملك ختم التصريح بالعبور؟ وقد أثبتت صنعاء أن قرار الملاحة في باب المندب صادرٌ بلغة واحدة ومرجعية سيادية واحدة لا تقبل القسمة.










المصدر «لا» 21 السياسي