عادل بشر / لا ميديا -
لا تزال تداعيات إعلان القوات المسلحة اليمنية فرض حظر على الملاحة البحرية المرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر، وما أعقبه من استهداف سفينتين نفطيتين سعوديتين بعد مخالفتهما قرار الحظر، تتصدر اهتمام وسائل الإعلام العبرية والمؤسسات الأمنية والعسكرية في كيان الاحتلال، في ظل قراءة صهيونية تعتبر أن صنعاء دخلت مرحلة جديدة من فرض معادلات الردع الإقليمية، وباتت لاعباً يصعب تجاهله في موازين القوة بالمنطقة.
وفي الوقت الذي حددت فيه القوات المسلحة اليمنية إجراءاتها البحرية بالسفن المرتبطة بالسعودية فقط، ضمن معادلة "الحصار بالحصار" وأكدت استمرار حرية الملاحة الدولية أمام بقية دول العالم، واصلت وسائل الإعلام "الإسرائيلية"، مدعومة بخطاب إعلامي سعودي وخليجي وغربي، تصوير القرار اليمني على أنه تهديد شامل للملاحة الدولية وإغلاق كامل لمضيق باب المندب، في محاولة لتوسيع دائرة المخاوف الإقليمية والدولية، وتحويل المواجهة إلى قضية أمن عالمي بدلاً من كونها إجراءً عسكرياً مرتبطاً بحق شرعي وقانوني يهدف إلى فك الحصار الذي تفرضه السعودية على اليمن، ونهب ثرواته لما يقارب اثني عشر عاماً.
ويرى مراقبون أن هذا الخطاب الإعلامي لا يهدف فقط إلى شيطنة الموقف اليمني، وإنما يسعى أيضاً إلى توفير غطاء سياسي وإعلامي لتعزيز التعاون الأمني والعسكري -غير المعلن- بين الكيان الصهيوني والسعودية، عبر تقديم صنعاء بوصفها "العدو المشترك" الذي يهدد الجميع.
وفي هذا السياق، أفردت صحيفة "إسرائيل هيوم"، إحدى أكبر الصحف العبرية المقربة من دوائر صنع القرار في الكيان، أمس، افتتاحية مطولة حملت عنوان: "قد يتصدرون محور إبادة إسرائيل.. ماذا أعددنا للحوثيين؟"، اعتبرت فيها أن صنعاء باتت تحديا استراتيجيا متصاعدا يتطلب إعادة صياغة العقيدة الأمنية "الإسرائيلية".
وأقرت الصحيفة بأن العمليات العسكرية التي نفذتها أمريكا وبريطانيا والكيان الصهيوني ضد اليمن خلال خوض صنعاء معركة إسناد غزة، لم تحقق أهدافها في إضعاف صنعاء، مؤكدة أن القدرات العسكرية اليمنية تعرضت لبعض الأضرار، إلا أن ذلك "لم يمنع صنعاء من الصمود، ولا من توسيع نفوذها الإقليمي والدولي، والاستمرار في تطوير قدراتها العسكرية".
وأشارت إلى أن القوات المسلحة اليمنية، سبق أن أغلقت البحر الأحمر في وجه الملاحة "الإسرائيلية" رداً على حرب الإبادة في غزة بالتزامن مع إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة إلى عمق فلسطين المحتلة، الأمر الذي اعتبرته "المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، تجسيدا للقدرات العسكرية اليمنية وقوة الأضرار التي يمكنها إلحاقها حتى من مسافة بعيدة".
وفيما دأب إعلام غربي وآخر عربي على وصف صنعاء بأنها "ذراع إيرانية"، قالت "إسرائيل هيوم" إن "صنعاء تعمل باستقلالية"، معتبرة أن "الحوثيين" يرتبطون بطهران عسكرياً، لكنهم ليسوا تابعين لها، وأن لدى صنعاء جميع القدرات لقيادة "محور المقاومة".
وأضافت الصحيفة العبرية أن "إسرائيل" والغرب يواجهون معضلة في التعامل مع صنعاء، فحتى في حال تم إسقاط النظام في إيران، فإن ذلك لن يُضعف صنعاء لأنها "تمتلك صناعات عسكرية محلية متطورة وقدرات إنتاج ذاتية ورؤية سياسية تؤهلها لتصدر قيادة المحور".
وفي ذات الافتتاحية أعادت "إسرائيل هيوم" التذكير بخطاب سيد الجهاد والمقاومة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بعد ثلاثة أيام من عملية طوفان الأقصى، والذي أكد فيه أن "هناك مئات الآلاف من أبناء الشعب اليمني سينطلقون إلى فلسطين للمشاركة في معركة الجهاد المقدس ضد العدو الصهيوني"، معتبرة أن هذه التصريحات أصبحت "مقلقة لإسرائيل على نحو خاص"، لا سيما بعد التطورات العسكرية التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين اللذين تليا طوفان الأقصى.
ورغم اللغة التصعيدية التي استخدمتها الصحيفة العبرية، فإن مضمونها حمل في طياته اعترافات واضحة بتنامي القدرات العسكرية اليمنية، وبفشل العمليات العسكرية الأمريكية و"الإسرائيلية" في كسر إرادة صنعاء أو إنهاء تأثيرها في مسرح العمليات الإقليمي.
وانتهت "إسرائيل هيوم" إلى الدعوة الصريحة لتأسيس ما وصفته بـ"ميزان ردع" جديد ضد اليمن، يقوم على توجيه ضربات قاسية لكل عملية تستهدف "المصالح الإسرائيلية"، بالتوازي مع استغلال "الفرصة لتعميق التعاون مع دول الخليج"، بتضخيم تحركات صنعاء لفك الحصار السعودي على اليمن، وتصويره بأنه "يمثل تهديدا مباشرا لإسرائيل والخليج".
وكانت القوات المسلحة اليمنية قد أعلنت في العشرين من تموز/ يوليو الجاري فرض حظر على الملاحة البحرية المرتبطة بالسعودية، مؤكدة أن القرار يأتي في إطار تثبيت معادلة "الحصار بالحصار"، وحق الشعب اليمني في مواجهة الحصار والتصعيد الشامل بالتصعيد الشامل حتى استرداد حقوقه وإنهاء الحصار، تلى ذلك بيومين إعلان صنعاء تنفيذ عملية عسكرية استهدفت ناقلتي النفط السعوديتين ENCELIA وLAYLA بعد مخالفتهما قرار الحظر، مؤكدة إصابتهما بدقة واشتعال النيران فيهما، كما كشفت عن إجبار نحو عشر سفن أخرى على التراجع والعودة.
وبينما يحاول الإعلام العبري استثمار هذه التطورات لتبرير مزيد من التقارب الأمني والعسكري مع السعودية ودول خليجية، تكشف مضامين التغطية "الإسرائيلية"، في المقابل، حجم القلق المتزايد داخل دوائر الاحتلال من تعاظم القدرات العسكرية اليمنية، ومن تحول صنعاء إلى طرف مؤثر في معادلات الصراع الإقليمي، بعدما نجحت -بحسب اعتراف الإعلام العبري نفسه- في فرض وقائع ميدانية جديدة عجزت العمليات العسكرية الأمريكية و"الإسرائيلية" عن تغييرها.