لقد حان الوقت لكي تنسحب الولايات المتحدة من «الشرق الأوسط»
- تم النشر بواسطة ترجمة خاصة:غيداء الصغير / لا ميديا
ستيفن أ. كوك - مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية
ترجمة خاصة - غيداء الصغير / لا ميديا -
لم تحقق عملية «الغضب الملحمي» التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أي مكسب استراتيجي يُذكر.
ومع ذلك، أعلن الرئيس، على طريقته المعتادة المستوحاة من أسلوب روي كوهن، تحقيق النصر.
لكن البنود المعلنة لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران تروي قصة مختلفة. إذ يبدو أن واشنطن وطهران ستعودان إلى التفاوض بشأن البرنامج النووي الإيراني، وأن إيران ستتمكن من تصدير النفط بموجب إعفاء خاص لمدة ستين يومًا، كما سيُعاد فتح مضيق هرمز.
غير أن المسألة الأخيرة لا تزال غامضة. فبينما أعلن ترامب منتصرا أن حرية الملاحة في المضيق قد عادت إلى الوضع الذي كان قائما قبل الحرب، يؤكد المسؤولون الإيرانيون أن ذلك لا يسري إلا خلال الشهرين اللذين تغطيهما مذكرة التفاهم.
وبعد انقضاء تلك المدة، يعتزمون فرض رسوم على عبور المضيق.
يبقى السؤال: لماذا خاضت الولايات المتحدة هذه الحرب أصلًا؟ فاستنادا إلى ما هو معروف عن الاتفاق، يبدو أن الأمريكيين، وشركاء الولايات المتحدة في المنطقة، والمستهلكين حول العالم، وربما حتى الإيرانيين الذين عانوا طويلًا، كانوا جميعًا في وضع أفضل قبل أن تشن الولايات المتحدة و»إسرائيل» حربهما في 28 فبراير/ شباط.
وخلال عطلة نهاية الأسبوع، صرّح ترامب بأنه إذا لم تلتزم إيران بتعهداتها الواردة في مذكرة التفاهم، فإن الولايات المتحدة ستكون «حارس الشرق الأوسط». لكن الواقع أن إخفاق ترامب في إيران قد يقود إلى نتيجة مختلفة تمامًا، وهي انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة.
وليس الرئيس وحده من يُرجَّح أن يستخدِم مذكرة التفاهم مبررًا لفك ارتباط واشنطن بـ»الشرق الأوسط». سيكون هناك عدد قليل جدًا من أعضاء الكونغرس، والمرشحين للرئاسة، والمسؤولين الحكوميين، ومن يطمحون إلى تولي مناصب حكومية، سيكونون مستعدين بعد الآن لإنفاق الموارد السياسية والعسكرية والمالية اللازمة للإبقاء على الوجود الأمريكي في المنطقة.
قد تكون الظروف مختلفة، لكن المشهد يبدو وكأنه تكرار لما حدث في ديسمبر/ كانون الأول 1971.
في يناير/ كانون الثاني 1968، أعلن رئيس الوزراء البريطاني هارولد ويلسون أن المملكة المتحدة ستسحب قواتها من الخليج العربي. فلم تعد بريطانيا قادرة على تحمل تكاليف ما تبقى من إمبراطوريتها العالمية، بما في ذلك قواعدها العسكرية المتقدمة في الخليج. وحاولت إدارة الرئيس ليندون جونسون إقناع ويلسون بالعدول عن خطته، لكن دون جدوى. وأكملت القوات البريطانية انسحابها من «شرق السويس» في ديسمبر/ كانون الأول 1971.
ومنذ ذلك الحين بدأ التوسع الأمريكي الطويل والبطيء في المنطقة. ففي البداية، حافظت الولايات المتحدة على وجودها من خارج الشاطئ، عبر حاملة طائرات كانت تزور المحيط الهندي بشكل دوري لإظهار العلم، إلى جانب عملية بحرية محدودة للوجود العسكري انطلاقًا من البحرين. ولم تنزل الولايات المتحدة بقواتها إلى المنطقة وتستقر فيها فعليًا إلا بعد أن غزا الرئيس العراقي صدام حسين الكويت واحتلها في أغسطس/ آب 1990.
لم يكن سجل الولايات المتحدة خلال السنوات الخمس والثلاثين التالية جيدًا، بل طافحا بالإخفاقات فقد سعت واشنطن إلى إقامة دولة فلسطينية، وتحويل المجتمع العراقي، وجعل دول «الشرق الأوسط» ديمقراطيات. ولم ينجح أي من ذلك، كما لم تنجح أيضًا مغامرة ترامب تجاه إيران. ولهذه الأسباب جميعًا، لم يعد «الشرق الأوسط» قضية رابحة في واشنطن. وإذا كان هناك توافق بين الحزبين داخل أروقة السلطة الأمريكية، فهو يتمثل في ضرورة فك ارتباط الولايات المتحدة بالمنطقة.
ولطالما كان ضمان التدفق الحر لموارد الطاقة من المنطقة هو المبدأ الأساسي لواشنطن في «الشرق الأوسط»، لكن ذلك يبدو آخذًا في التغير أيضًا. حتى وإن لم يتمكن الاقتصاد العالمي من التخلص بالكامل من الاعتماد على النفط، إلا أن الديمقراطيين يريدون الاستثمار في التحول إلى مصادر الطاقة البديلة المفيدة لكوكبنا، كما أنه يوفر مخرجًا من التورط في «الشرق الأوسط». وفي الوقت نفسه، يتساءل كثير من الجمهوريين عن سبب استمرار الولايات المتحدة، وهي أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، في تحمل مسؤولية ضمان الأمن والاستقرار في الخليج.
وفي مثل هذا المناخ، ومع تشجيع القوى السياسية داخل الولايات المتحدة القادة المنتخبين على التركيز على الشؤون الداخلية، يصبح من الصعب تبرير إنفاق مليارات لا تُحصى لإعادة بناء أو إصلاح أو استبدال المنشآت والمعدات الأمريكية في المنطقة بسبب حرب سيئة التقدير ومرفوضة شعبيا. وهناك احتمال معقول بأن يشبه المستقبل الماضي: حاملة طائرات أمريكية تتناوب على الانتشار في المنطقة، ووجود بحري محدود في البحرين، وربما قاعدة جوية متمركز في الأردن. وهذا ليس بالأمر الهيّن، لكنه يشير بوضوح، بالنسبة إلى بعض صناع القرار الأمريكيين على الأقل، إلى أن «مبدأ كارتر» و«ملحق ريغان» له قد أصبحا من الماضي. ولم تفعل حماقة ترامب سوى تعزيز هذا الشعور. ونتيجة لذلك، فإن العصر الأمريكي في الشرق الأوسط يقترب من نهايته.
وماذا سيفعل شركاء واشنطن بينما يودعهم ترامب بدعم من خصومه السياسيين في الداخل؟
في عام 1971، كان قادة الخليج يرغبون سرًا في أن تنشئ الولايات المتحدة وجودًا عسكريًا في المنطقة، أما اليوم فلا يوجد وريث يخلف الولايات المتحدة في هذا الدور. وقد تعلمت بكين درسا مهما من مغامرات واشنطن في «الشرق الأوسط»، ويبدو أنها مصممة على عدم الوقوع في المستنقع نفسه.
والأمر المؤكد أن شركاء الولايات المتحدة سيظلون راغبين في شراء المزيد من الأسلحة الأمريكية، لكن من المرجح أيضًا أن يوسعوا دائرة مورديهم. فليس من المنطقي الاستمرار في شراء صواريخ أمريكية يبلغ سعر الواحد منها أربعة ملايين دولار لاعتراض طائرات مسيّرة لا تتجاوز كلفة الواحدة منها 35 ألف دولار. ويزداد هذا المنطق قوة إذا كانت الولايات المتحدة تنسحب، تاركةً دول الخليج وغيرها تواجه الفوضى التي خلقها ترامب.
وإذا لم تعد واشنطن ترى نفسها ملزمة تجاه حلفائها، فلا ينبغي لهؤلاء أن يبقوا معتمدين عليها في أنظمة التسليح، ولا سيما تلك التي تبدو غير ملائمة للتطورات المتسارعة في طبيعة الحروب. وغالبا سيكون المستفيدون من هذا التحول هم الصين، وكوريا الجنوبية، وتركيا، وأوكرانيا، وحتى إسرائيل، إذ إن بعض هذه الدول يزوّد المنطقة بالفعل بمعدات عسكرية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، وأنظمة مكافحة المسيّرات، وتقنيات الدفاع الجوي.
كثيرًا ما يضخّم ترامب مبادراته بوصفها إنجازات «لم يسبق لأي رئيس آخر» أن حققها. وفيما يتعلق بإيران، فهو محق تمامًا في هذا الوصف. فقد نظر أسلافه إلى التحدي الإيراني، وراجعوا خطط الحرب، وتعرضوا لضغوط من القادة «الإسرائيليين»، لكنهم في النهاية قالوا: لا لحرب حمقاء. أما ترامب فقد وقع في هذا الفخ. والآن يمكنه أن يصحح مساره بأن يفعل شيئًا آخر لم يفعله أي رئيس أمريكي من قبل: أن يسحب الولايات المتحدة من «الشرق الأوسط».
ولا شك أن بعض الدول ستحزن لرؤية واشنطن تغادر. لكن شركاء الولايات المتحدة في المنطقة يدركون الآن أنها لم تكن يومًا الراعي للاستقرار والأمن الذي ادّعته طويلا. وكانت ذروة نفوذها خلال عمليتي درع الصحراء وعاصفة الصحراء، قبل أكثر من ثلاثة عقود.
لذلك، إلى السعوديين، والبحرينيين، والقطريين، والإماراتيين، والكويتيين، والأردنيين، والمصريين، و«الإسرائيليين» الذين شكّلوا النظام الإقليمي بقيادة الولايات المتحدة: أنتم الآن وحدكم. حظًا موفقًا.










المصدر ترجمة خاصة:غيداء الصغير / لا ميديا