ملحق «لا» 21 السياسي - العدد (1860)
- تم النشر بواسطة «لا» 21 السياسي
إمضاء السيادة.. فجر «الخيط» ونهاية «الأصنام»
علي عطروس
في زمنِ الانكسارِ الكبيرِ للأصنامِ العسكرية، وسقوطِ خرافةِ «الردعِ» تحت أقدامِ حفاةِ الأرض، نفتحُ هذا العدد من ملحق (21 أيلول/ سبتمبر - «لا السياسي») لنقرأَ في كتابِ السيادةِ سطوراً لم تكتبها الدبلوماسيةُ المرتعشة، بل خطّتها مسيّراتُ «البعوض» وخيوطُ الأليافِ البصرية.
إنَّ ما بين أيديكم ليس مجرد ورق، بل هو محضرُ جردٍ لهزيمةِ الأباطرةِ وكشفِ عوراتِ الوكلاءِ الذين تحولوا من حلفاء إلى سائقين في موكبِ الإبادة. هنا، نُكثّفُ الحقيقةَ لنشنقَ الزيف، ونُسقِط الأقنعةَ عن «إسبرطة الزجاجية»، لنعلنَ فجرَ شرقٍ جديد؛ شرقٍ لا يُسمع فيه إلا أزيزُ الإرادة، ولا مكانَ فيه إلا لمن يؤمن أنَّ كرامةَ الأوطانِ تُنتزعُ من فوهةِ البندقية، لا من «توراةِ شومر» ولا من أوهامِ ترامب.
نحنُ الصرخةُ في وجهِ الانبطاح، واليقينُ في زمنِ المستنقع.
فجر الشرق الجديد.. انتصار «أسطول البعوض» على «الفيلة البيضاء»
لم يعد الحديث عن فشل في معركة، بل عن انهيار نموذج عسكري بأكمله. لقد اصطدم «الجيش الذي لا يُقهر» بواقع لم تحسب له عقيدته القتالية أي حساب. بعد 15 شهراً من الراحة والتدريب، دخل «جيش» الاحتلال إلى جنوب لبنان متوهماً أنه يواجه «حزباً ضعيفاً»، ليكتشف أنه وقع في مصيدة «حرب ما بعد الردع». إنها حرب لا يعرفها، يقودها مقاتل تحرر من المركزية فأصبح خلية نحل قاتلة، يستخدم أسلحة لم تكن في الحسبان. إن ما يجري هو إعادة تعريف للقتال؛ فلم تعد كتائب «النخبة» الصهيونية تواجه «دفاعاً ثابتاً»، بل تواجه «لا شيء» و«كل شيء» في آنٍ معاً. إنهم في مواجهة شبح.
هنا تحديداً يكمن الإعجاز الذي أذهل العدو وأصدقاءه؛ ففي تحول استراتيجي عبقري، انتقل حزب الله من عقيدة الصاروخ المضاد للدروع إلى عقيدة المسيّرة الانقضاضية الزهيدة. إنها حرب اللاتماثل في أبهى صورها: طائرة لا تتجاوز كلفتها بضع مئات من الدولارات، مصنوعة من قطع تُباع في الأسواق الحرة، موصولة بكابل ألياف بصرية مثل المستخدم في توصيل الإنترنت، تعطل وتدمر دبابة «ميركافا» قيمتها ملايين الدولارات، وتقتل طاقمها. إنه «أسطول البعوض» كما وصفه الخبراء، وهو يلسع «الفيلة البيضاء» للبحرية والجيش الأمريكي والصهيوني في الخليج والجنوب. هذا السلاح لا يشوّش عليه، يُصيب بدقة قاتلة، ويُصوّر لحظة الانهزام، ليجعل من كل فيديو ينشره الإعلام الحربي تحت وسم «بعد قليل»، مسماراً جديداً في نعش الروح المعنوية للعدو. لقد نجحوا في تحويل المعركة إلى مذبحة اقتصادية ونفسية: كل دولار تنفقه المقاومة، يكلّف العدو مليوناً.
وفيما كان رئيس «الدولة العظمى» يصرخ بأن إيران «لم يعد لديها شيء»، كانت التقارير الاستخباراتية لواشنطن نفسها تعترف بمعجزة طائر الفينيق. لقد استعادت إيران 90٪ من منشآتها الصاروخية تحت الأرض، وأكثر من 70٪ من قدراتها. لقد سحقت منظومات «ثاد» و«باتريوت» ورادارات «إكس باند»، التي كانت تُوصف بأنها عين أمريكا التي لا تنام. والنتيجة؟ «درع واشنطن» الذي كان يحمي الخليج قد تحطم.
وفي الامتداد الجيوستراتيجي والمدد المقاوم تحولت «وحدة الساحات» من شعار سياسي إلى عقيدة عسكرية ناجحة. هذا هو «الردع الممتد»، الذي أربك حسابات العدو: إيران تهدد من عمقها الاستراتيجي، حزب الله يستنزف قوات النخبة على الحدود، أنصار الله يقبضون الملاحة في البحر الأحمر، والحشد الشعبي يحرم واشنطن من حرية استخدام الأراضي والأجواء العراقية. لقد أصبحت جبهات القتال شبكة عنكبوتية، أي ضربة على إحداها تولّد ردود فعل من الأخرى، حتى شلّت قدرة الخصم على الحسم، وشتت جهوده بين ساحات لم يعد قادراً على السيطرة على أي منها.
أما الصورة الأكثر إثارة للشفقة والسخرية فهي مشهد أنظمة الخليج وهي تدفع 26 مليار دولار كدفعة إذلال إضافية لشراء شباك صيد معدنية لتغطية مطاراتها العارية، بعدما أثبتت صواريخ المحور ومسيّراته أن «القبة الحديدية» والقواعد الأمريكية مجرد أوهام. إنها تدفع ثمن خيانتها وتآمرها، متحولة من حلفاء يُعتد بهم إلى قواعد متقدمة مكشوفة تستجدي حماية «جيش البامبرز» الذي ثبت فشله في حماية نفسه. إنه استثمار في الهزيمة، وإنها لضربة موجعة لمن راهن على الذئب المترنح.
بالمحصلة، لقد دخلنا زمن اللاتماثل، زمن حرب العصابات فوق الماء وتحت الأرض وفي السماء. هذا هو فجر الشرق الجديد، حيث تنهار عقيدة «حماية القوة» الأمريكية، وحيث أثبتت إيران وحلفاؤها أن الإرادة والابتكار والتخطيط اللامركزي قادرة على قهر أعتى الترسانات. لم يعد السؤال: هل يستطيع المحور الصمود؟ بل: إلى متى ستصمد «تل أبيب» وواشنطن وأذنابهما في حرب استنزاف لا نهاية لها، كل يوم فيها يزيدهم هشاشة ويُعمّق جراحهم؟!
طاحون صحافة.. زمن الخيط الذي يغير المعادلة
لم يعد خافياً أن حاملة الطائرات المسماة «إسرائيل» دخلت حرباً لم تخرج منها حتى بنصر واحد. يكتب الرئيس السابق للكنيست، أبراهام بورغ، في موقع «والا»، كلمات صارت شهادة وفاة استراتيجية: «إسرائيل غارقة في مستنقع الفشل على كل الجبهات... لم تنتصر في أي جبهة من الجبهات»، مضيفاً أن «النصر المطلق» الذي وعد به نتنياهو تحول إلى مسرحية هزلية. وفي الجبهة اللبنانية تحديداً، أقرت قوات الاحتلال رسمياً، كما كتب يوسي يهوشع في «يديعوت أحرونوت» الصهيونية بأنه «لا يوجد حلٌّ كامل ومُجرّب في العالم يُوفّر استجابة فعّالة لتهديد مسيّرات حزب الله». إنهم يعترفون بأن «خيط الجدة» المصنوع من الألياف الضوئية حوّل جنود «النخبة» إلى «أوزّ في ميدان الرماية»، بتعبير عضو الكنيست أفيغدور ليبرمان، الذي نقله عاموس هرئيل في «هآرتس» الصهيونية. إنه فشل تكنولوجي مدوٍّ انتصرت فيه «ورشة» المقاومة على مختبرات «رافائيل». لم يعد الجنود «الإسرائيليون» قادرين على الثبات، وأصبحوا أهدافاً مكشوفة لحقل رماية تديره المقاومة بثقة المنتصر، إذ اعترفت قوات الاحتلال بمقتل 18 ضابطاً وجندياً وإصابة 910 آخرين منذ تجدد القتال في آذار/ مارس.
على الجانب الآخر من المعادلة، يقف ترامب ليكمل مشهد العجز. لقد بدأ الحرب طالباً «الاستسلام غير المشروط» وتغيير النظام؛ لكنه يقف اليوم عاجزاً يمنح طهران مهلة تلو الأخرى، ويتراجع عن كل أهدافه القصوى. هذه الحقيقة سجلتها شبكة «سي إن إن» بقولها إن ترامب «لم يحصل على ما كان يطمح إليه»، وأن إدارته «تخلت عن أهدافها القصوى». لكن الانهيار الأعمق كُشف في التفنيد العلمي المدوّي الذي قدمه النائب الأمريكي السابق ديفيد ستوكمان في مقال نشره موقع «الخنادق»، إذ وصف ادعاء امتلاك إيران «قنبلة نووية خلال أسابيع» بأنه «الراية الزائفة الكبرى» للحرب. فإيران، كما أكدت مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية تولسي غابارد في شهادتها أمام الكونجرس في آذار/ مارس 2025، «لا تقوم ببناء سلاح نووي». إن رواية «الرادع الذي لا يُقهر» سقطت، ليس فقط في الخندق اللبناني، بل وفي قلب الخليج أيضاً. لقد ضربت إيران العصب الحيوي الجديد لدول الخليج، التي راهنت على الحماية الأمريكية، فحولت «قصورهم الزجاجية» الاقتصادية إلى نقاط ضعف قاتلة، كما حلل منذر سليمان في تقرير نشره موقع «الميادين». توقفت المشاريع العملاقة، وارتفعت أقساط التأمين بنسبة 400٪ وبدأ المستثمرون يهربون، بينما تكبدت الدول العربية خسائر إجمالية تقدرها الأمم المتحدة بنحو 200 مليار دولار وفقدان 3.6 مليون وظيفة. وفي الوقت نفسه، اعترف مراقب كيان الاحتلال، ماتانياهو إنغلمان، في تقرير رسمي نقله «عربي21»، بأن «القدرات الإنتاجية للصناعات العسكرية تضررت، وخطوط الإنتاج فقدت كفاءتها». إن المجمع الصناعي العسكري الذي كان عماد العقيدة الغربية بات عاجزاً عن إمداد جيوشه في حرب استنزاف لا تتوقف، وهو ما أكده أيضاً ضابط الاستخبارات البريطاني السابق أليستر كروك في مقال نشره موقع «ستراتيجيك كلتشر»، بقوله إن «حاملة الطائرات الأمريكية لم تعد تبثّ الرهبة كما في السابق؛ بل باتت تشعّ بالهشاشة».
وبينما تتآكل جبهات القتال، يكشف العدو عن وجهه الحقيقي في الداخل. لم تعد «إسرائيل» تخفي فاشيتها: شرطتها تحولت إلى مليشيا عنيفة، إذ كتبت أسرة تحرير «هآرتس» افتتاحية نارية بعنوان «التهمة: عربي»، كاشفة كيف حوّل وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الشرطة إلى «ذراع سياسي» و«مليشيا كو كلوكس كلان» رسمية، شوهت وجه المحامي العربي صالح نعمة دون ذنب. وكتب جدعون ليفي أيضاً في «هآرتس» عن ممارسة المستوطنين «النيكروفيليا» بنبش قبور الفلسطينيين. أما سجون الاحتلال، فقد كشفت آنا برسكي في «معاريف» أنها تحولت إلى «برميل بارود» يضم 23,290 سجيناً، منهم 9,470 سجيناً أمنياً، إذ يحتجز 92٪ من السجناء الأمنيين (8,620 سجيناً) في ظروف معيشية لا تفي بالحد الأدنى القانوني لمساحة السكن. أما أمريكا «الحليف» فلم تعد أفضل حالاً؛ إنها غارقة في الفوضى الداخلية والانحطاط الأخلاقي الذي وصفه الصحفي كريس هيدجز في تقرير نشره موقع مجلة «الوعي العربي» بأنه «ميثاق انتحار وطني»، إذ تحكمها طبقة طفيلية من المليارديرات تحولت إلى أعداء في الداخل.
وفي خضم هذا، وفي سابقة تاريخية، حكمت هيئة معايير الصحافة البريطانية المستقلة (IPSO)، في 12 أيار/ مايو 2026، رسمياً بأحقية الصحف في وصف أفعال «إسرائيل» في غزة بأنها «إبادة جماعية»، وذلك بعد أن خلصت لجنة تحقيق أممية إلى أن تصريحات نتنياهو نفسه كانت «دليلاً مباشراً على نية ارتكاب الإبادة الجماعية»، في اختراق تاريخي للمحرمات الغربية التي طالما حمتها.
الأمر الأكثر إيلاماً للعدو أن حلفاءه بدؤوا يتسللون من تحت عباءته. السعودية، التي كانت تاريخياً رأس الحربة في التحالف مع واشنطن، ترفض اليوم استخدام مجالها الجوي ضد إيران. هذا الموقف كشفه تسفي برئيل في «هآرتس» بقوله إن الرياض «أيدت قرار ترامب وقف مشروع الحرية... بعد أن أوضحت له أنها لن تسمح باستخدام مجالها الجوي». كما يمارس محمد بن سلمان ضغوطاً هائلة لفرض وقف إطلاق نار حقيقي في لبنان، في انزياح استراتيجي أكده تقرير لموقع «شيناري إيكونومتشي» ترجمه «عربي21» بعنوان «هل انتهت حقبة التحالف الوثيق بين السعودية والولايات المتحدة؟».
تركيا، التي وصفها المحللون في «معاريف»، وفي مقدمتهم شارونا شير زابلودوفسكي، بأنها تتحول إلى «إمبراطورية عثمانية جديدة» بقيادة أردوغان، تسعى لعزل «إسرائيل» اقتصادياً عبر ممرات بديلة، محولة نفسها من «حليف» إلى «دولة معادية بشكل علني». أما باكستان، فقد فتحت ستة ممرات برية لإيران، ناقلة تجارتها من موانئ الإمارات المحاصرة إلى موانئها، لتُحدث انهياراً فعلياً في الحصار الأمريكي، بمباركة صينية صامتة. هذه التفاصيل كشفها «إف. إم. شاكيل» في تقرير لموقع «ذا كرادل»، نقلاً عن وزير الإعلام الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، ورئيس اتحاد أصحاب العمل مجيد عزيز، اللذين أقرا بأن هذه الخطوة «ستساعد إيران وباكستان معاً»، وأنها تمت بضوء أخضر أمريكي ضمني وبضمانات صينية. إنها صورة عزلة استراتيجية خانقة تكتمل فصولها كل يوم.
ما نراه ليس مجرد تراجع تكتيكي، بل هو انهيار بنيوي لجبهة الأعداء بأكملها. لقد فقد كيان الاحتلال «الإسرائيلي» قدرته على الردع والقتال والصمود الداخلي، ويعيش -كما قال أبراهام بورغ- «مستنقع الفشل». لقد فقدت أمريكا قدرتها على القيادة والردع والإمداد، وتحولت حاملة طائراتها -كما قال أليستر كروك- إلى «فيلة بيضاء تشع بالهشاشة». وما بينهما، يتآكل «النظام القديم» الذي بنياه معاً، بينما يبزغ فجر الشرق الجديد. إنه زمن «الخيط الذي يغير المعادلة» في لبنان، و«أسطول البعوض» الذي يهزم الأساطيل في الخليج، و«الردع الممتد» الذي يوحد الساحات. هذا هو المشهد الذي طالما بشّرت به وها نحن نكتبه اليوم بأقلام الأعداء أنفسهم.
حينما يخبرك صاحب ماكدونالدز بأن البرغر ليس طعاماً جيداً!
لم تكن الصدمة التي أحدثها مقال روبرت كاغان في مجلة «ذا أتلانتيك» في 11 أيار/ مايو 2026، بعنوان «كش ملك في إيران: واشنطن لا تستطيع عكس أو السيطرة على عواقب خسارة هذه الحرب»، نابعة من كونه مجرد تحليل استراتيجي قاسٍ. الصدمة، كما لاحظ أسعد أبو خليل في جريدة «الأخبار» اللبنانية، مصدرها أن كاتبه ليس ناقداً عادياً، بل هو أحد أبرز منظّري مشروع الهيمنة الأمريكية بعد الحرب الباردة، وأحد مؤسسي مشروع «القرن الأمريكي الجديد» الذي كان رأس الحربة الفكرية لغزو العراق. إنه رجل من صميم المؤسسة الفكرية التي هندست الحروب الأمريكية، وزوجته فيكتوريا نولاند كانت وكيلة وزارة الخارجية للشؤون السياسية، وشقيقه فريدريك كان من مهندسي الوجود العسكري الأمريكي في العراق. بكلمات أخرى: إنه «اعتراف» من قلب الماكينة التي أنتجت الكارثة.
يكتب كاغان في افتتاحية مقالته: «من الصعب التفكير في لحظة تعرّضت فيها الولايات المتحدة لهزيمة كاملة في نزاع ما، انتكاسة حاسمة إلى درجة أن الخسارة الاستراتيجية لا يمكن إصلاحها ولا تجاهلها». ثم يذهب إلى أبعد من ذلك، مقارناً الهزيمة الحالية بحربي فيتنام وأفغانستان، معتبراً أن «الهزائم في فيتنام وأفغانستان كانت مكلفة؛ لكنها لم تُلحق ضرراً دائماً بالموقع الأمريكي العام في العالم... أما الهزيمة في المواجهة الحالية مع إيران فستكون ذات طبيعة مختلفة تماماً». والسبب -كما يشرح كاغان- هو أن إيران خرجت من الحرب بمصدر قوة استراتيجي لم تكن تملكه قبلها: السيطرة على مضيق هرمز. ففيما كان البرنامج النووي يشكل ورقة تهديد نظرية، فإن القدرة على فتح المضيق وإغلاقه، وفرض رسوم عبور، وتحديد من يعبر ومن لا يعبر، هي «أعظم وأكثر مباشرة من القوة النظرية للبرنامج النووي الإيراني».
يقرّ كاغان بأن «الولايات المتحدة وإسرائيل أمطرتا إيران بالقصف المدمّر على مدى 37 يوماً، وقتلتا جزءاً كبيراً من قيادة البلاد، ودمّرتا معظم جيشها؛ لكنهما لم تتمكنا من إسقاط النظام أو انتزاع حتى أصغر تنازل منه». ويحذّر كاغان من أن أي تصعيد عسكري إضافي سيدفع إيران إلى الرد على دول الخليج المجاورة، متذكراً كيف جاءت نقطة التحول في 18 آذار/ مارس، عندما قصفت «إسرائيل» حقل «بارس» الجنوبي الإيراني للغاز، فردّت إيران بمهاجمة مدينة رأس لفان الصناعية في قطر، «متسببة بأضرار في القدرة الإنتاجية قد يستغرق إصلاحها سنوات».
في تحليله للمقال، يشير أسعد أبو خليل إلى أن المجلة نفسها «يديرها صهيوني متشدّد سبق أن خدم في الجيش الإسرائيلي، ومعروف بمناصرته للحروب الأمريكية»، ما يضاعف وقع الاعتراف. كما يلاحظ أبو خليل مفارقة لافتة؛ فرغم صراحة كاغان في وصف الهزيمة، إلا أن مقاله «يكاد يخلو من أي بعد أخلاقي»؛ فلا ذكر للضحايا المدنيين أو الكلفة البشرية للحرب، بل يناقشها «باعتبارها توازنات استراتيجية وصراع إرادات واختباراً لمكانة أمريكا العالمية فحسب». إنه اعتراف صادر عن عقلية لا ترى في الحروب سوى رقعة شطرنج؛ لكنها اليوم تجد نفسها في وضعية «كش ملك».
ويخلص كاغان إلى أن «هزيمة الولايات المتحدة ليست ممكنة فقط، بل مرجَّحة»، محذراً من أن مضيق هرمز «لن يكون مفتوحاً كما كان في السابق». فإيران، كما يرى، لا مصلحة لها في العودة إلى الوضع السابق، خاصة أنها «لا تستطيع التخلي عن المضيق، مهما بدا الاتفاق مغرياً»؛ لأنها لا تثق بترامب، الذي «كاد يتفاخر بتكرار الهجوم الياباني المباغت على بيرل هاربر، عندما وافق على قتل القيادة الإيرانية خلال المفاوضات». وفي النتيجة، فإن دول الخليج «ستجد نفسها مضطرة للتوسل إلى طهران»، نقلاً عن الباحثين رويل غريشت وراي تقية، فيما يتراجع دور أمريكا بصورة كبيرة.
أما الكاتب الفرنسي أرنو برتران فقد وصف المقال بأنه «استثنائي» بالنظر إلى خلفية كاتبه، قائلاً: «الأمر يشبه أن يخبرك صاحب ماكدونالدز بأن البرغر ليس طعاماً جيداً». أما أسعد أبو خليل فيضيف بعداً تحليلياً مهماً، متسائلاً عن السؤال الأكثر إحراجاً الذي يتجنبه كاغان: كيف وصلت الولايات المتحدة أصلاً إلى هذا المأزق؟ فـ»الكاتب الذي يعتبر اليوم أن إيران ألحقت هزيمة ساحقة بواشنطن، أمضى عقوداً يدافع عن السياسات نفسها التي ساهمت في توسيع نفوذ طهران الإقليمي بعد غزو العراق وتفكيكه، وحوّلت الشرق الأوسط إلى فوضى على رقعة شطرنج مزدحمة بالبيادق والأفيال والأحصنة التي تحاصر الملك من كل اتجاه».
«نهاية إيران» التي لم تأتِ
في 8 آذار/ مارس 2026، وبعد أسبوع واحد فقط من بدء الحرب على إيران، جلس الصحفي السعودي عبد الرحمن الراشد ليكتب في جريدة «الشرق الأوسط». كتب بثقة المنتصر: «يتم اليوم القضاء على إيران كقوة عسكرية... ستمنح المنطقة استراحة من التهديدات الإيرانية ربما لعقد من الزمن». كان يرى أمامه «إمبراطورية السلاح الإيرانية» وهي تنهار. كان يبشر بـ«تاريخ جديد». كان الضال (كما يجب أن نسميه) يكتب نعي إيران، ويوزع شهادات الوفاة على حرسها الثوري وصواريخها «البالية».
مرت ثلاثة أشهر؛ ثلاثة أشهر فقط؛ واليوم، لا نسمع صوت الراشد. لا مقالاً يعتذر فيه عن «خطئه في التحليل». لا كلمة واحدة يشرح فيها لقرائه كيف أن توقعاته تحولت إلى هباء. السبب بسيط: تقارير الـ(CIA) تقول إن إيران احتفظت بـ70٪ من قدراتها الصاروخية. وأنها استعادت السيطرة على 90٪ من منشآتها تحت الأرض، وأنها تتحكم بمضيق هرمز، وأنها لم تسقط، ولم تستسلم، ولم تنتهِ، وأن الأحمق الأمريكي نفسه يتراجع عن كل أهدافه الكبرى.
أين أنت يا راشد «الضال»؟! أين «نهاية إيران» التي بشّرت بها؟! أين «تاريخك الجديد»؟! إنه نفسه تاريخ أسلافك: نبوءات كاذبة، وأمانٍ مريضة، وأقلام مأجورة تكتب ما يريده سيدها في مستوطنة أبوظبي، ثم تختفي عندما تكذبها الحقائق. أنتم الضباع التي تهلل قبل أن تموت الفريسة، فإذا بها تنهض وتنفض غبار المعركة. لا نطلب منك اعتذاراً، فأنتم لا تتقنون هذه الكلمة. نطلب فقط أن تستمر في الصمت، فهو أبلغ رد على «تحليلاتك».
ابن زايد سائق صهيوني برخصة من نتنياهو
خلال الحرب على إيران، وفيما كانت الصواريخ والمسيّرات لا تزال تعبر السماء، كان هناك من يستقبل «النتن» استقبال الملوك. لم يكن هذا في «تل أبيب» ولا في واشنطن، بل في أبوظبي، حيث كشف زف أغمون، القائم بأعمال رئيس الطاقم السابق في مكتب نتنياهو، أن رئيس وزراء الكيان زار الإمارات «مرتين على الأقل» خلال الحرب. ولم تكن مجرد زيارة بروتوكولية عابرة. قال أغمون: «نتنياهو استُقبل في أبوظبي استقبال الملوك. الشيخ محمد بن زايد وأفراد عائلته وشخصيات مرموقة استقبلونا وكانوا سعداء برؤية نتنياهو على أرضهم. بل إن الشيخ قاد بنفسه سيارته الشخصية التي أقلت نتنياهو من الطائرة إلى القصر». هكذا، وبكل بساطة، تحول حاكم بلدٍ يدّعي الإسلام والعروبة إلى «سائق خاص» لرجل الحرب والإبادة. مشهد مهين بكل المقاييس، يكفي وحده ليكون بيان سقوط «إسبرطة صغيرة» راهنت بكل شيء على الرذيلة.
هذه الفضيحة لم تكن وحدها. فقبل أن ينكشف أمر الزيارة، كشف يوسي شيلي، سفير «تل أبيب» لدى أبوظبي، في اعتراف نادر، أن التبادل التجاري بين الجانبين قفز إلى 11 مليار دولار، تتركز في قطاعات الدفاع والتقنيات العسكرية. ثم أضاف بكل برود أن الإمارات «تأمل قيام واشنطن وتل أبيب بإنجاز المهمة وتصفية الملف النووي والصاروخي الإيراني». 11 ملياراً، ثمناً لاستجداء ضربة، وصفها الكاتب إبراهيم الأمين بأبلغ عبارة: «شراكة كاملة في الجريمة والدم».
لكن هذا الرهان سرعان ما تحول إلى رماد. فـ«إسبرطة الصغيرة»، كما سماها المحلل البريطاني ديفيد هيرست، لم تكن سوى حفنة من المجانين يحكمون بلاداً لا تصمد يوماً واحداً إن غادرها غير الإماراتيين، يخططون لقوة عسكرية ومالية تتجاوز حجمها بكثير. والنتيجة؟ 520 مليار دولار قيمة أسواق تبخرت مع خزانات الفجيرة. 1.8 مليون برميل نفط توقفت يومياً. ومفاجأة أربكت كل الحسابات: 430 ألف وثيقة سرية استخرجتها مجموعة «حنظلة»، قراصنة المقاومة، من خوادم ميناء الفجيرة وسلمتها فوراً لوحدات الصواريخ في محور المقاومة. الميناء صار كتاباً مفتوحاً أمام الضربات الدقيقة.
ولم يكن الميناء وحده الذي سقط؛ ففيما كانت أبوظبي تفرض رقابة صارمة لإخفاء آثار الضربات، خرجت «أمازون» لتكشف أن جزءاً كبيراً من مراكز بياناتها الضخمة في الإمارات توقف عن العمل، وأن إعادة تشغيل خدمات الحوسبة السحابية ستستغرق «شهوراً عدة». أضرار تتجاوز 850 مليون دولار، وانقطاع كامل لـ37 خدمة أساسية، وتعطل أكثر من 12 ألف عميل. «مايكروسوفت» التي كانت تخطط لاستثمار 15 مليار دولار، و«إنفيديا» التي راهنت على الإمارات كمركز إقليمي، وجدتا نفسيهما أمام واقع جديد: الوكيل صار هدفاً.
وفيما كان الاقتصاد ينهار، طلبت الإمارات من الاحتياطي الفيدرالي فتح خطوط تبادل عملات (USD Swap Line). وكما شرح الباحث الاقتصادي عباس عطوي في «الأخبار»، فإن الإمارات استنفدت احتياطياتها السائلة من الدولار، وتعاني من هروب رؤوس الأموال ومغادرة العمالة الوافدة. خلاصته كانت قاسية: «ما بعد هذه الحرب ليس كما قبلها. أركان الاقتصاد فقدت ركيزتها المركزية: الثقة في المقام الأول، والأمن في المقام الثاني والثالث والرابع».
عسكرياً، لم تكن أبوظبي مجرد «قاعدة» بل «شريكاً مقاتلاً». كشفت «وول ستريت جورنال» أن الإمارات نفذت ضربات عسكرية سرية داخل إيران، منها هجوم على مصفاة «لافان» النفطية في أوائل نيسان/ أبريل، تسبب في حريق هائل وخروج جزء كبير من المصفاة عن الخدمة لشهور. إيران ردت بوابل من الصواريخ والمسيّرات. وبدلاً من إدانة هذا التهور، نقلت الصحيفة أن واشنطن «رحبت بهدوء بمشاركة الإمارات». وفي السياق ذاته، كشف السفير الأمريكي مايك هاكابي أن «إسرائيل» أرسلت بطاريات «القبة الحديدية» مرفقة بجنود ومشغلين صهاينة إلى الإمارات، في سابقة هي الأولى من نوعها. التنسيق الأمني والاستخباراتي بلغ ذروته بزيارات مكثفة لرئيسي «الموساد» و«الشاباك»، إذ تم تنسيق العمليات ضد إيران وتبادل المعلومات.
أما النتيجة المباشرة لهذا الانخراط الأعمى فكانت أن إيران أطلقت 2800 صاروخ وطائرة مسيّرة على الإمارات خلال خمسة أسابيع، أكثر مما أطلقته على أي دولة خليجية أو على «إسرائيل» نفسها. نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني أعلن بوضوح: «لم نعد ننظر للإمارات على أنها جارة لنا، بل أصبحت أداة في يد العدو الصهيوني، وسنريها ما يجب أن تراه». لقد تبنت طهران مقولة: «من يتدثر بأمريكا يبقى عارياً». وأبوظبي اليوم عارية تماماً: احتياطيها يستنزف، أسواقها تتبخر، وثائقها بيد المقاومة، خوادمها معطلة، وسيادتها تداس.
ولأن الخوف دين، ولأن الجبان يهرول للاستجداء بعد أن يجرب القوة، فقد حاولت الإمارات مؤخراً تلطيف الأجواء مع إيران. هكذا، خرج المستشار الدبلوماسي أنور قرقاش ليقول إن الإمارات «لم تسعَ إلى هذه الحرب» وتؤكد على «الحل السياسي والمسار التفاوضي»، متغنياً بـ«الروابط التاريخية» مع إيران. إنه اعتراف خفي بأن مشروع «إسبرطة الصغيرة» قد سقط، وأن الرهان على الخيانة لا يحمي أحداً.
حصاد هذا الرهان صار واضحاً: 11 ملياراً للشراكة مع الاحتلال، 2800 صاروخ ثمناً للعداء مع إيران، 520 ملياراً خسائر الأسواق، 850 مليوناً خسائر «أمازون»، 430 ألف وثيقة سلمتها «حنظلة» لوحدات الصواريخ، وانهيار اقتصادي يلوح في الأفق.
مشهد محمد بن زايد وهو يقود سيارته بنفسه ليقل نتنياهو من الطائرة إلى القصر، ليس مجرد تفصيل عابر، بل هو تتويج لمسيرة من الخزي والخذلان. إنه الدليل الدامغ على أن من يبيع قضايا أمته، لا يتبقى له سوى أن يكون «سائقاً» في موكب أعدائها.










المصدر «لا» 21 السياسي