عادل بشر / لا ميديا -
في مشهد يتكرر بوضوح مريب، تكشف الولايات المتحدة مرة أخرى عن وجهها الحقيقي حين يتعلق الأمر بكلفة حروبها. فبينما تواصل واشنطن تقديم نفسها كحارس للقيم والشفافية، تفضح الوقائع على الأرض، مدعومة بتقارير إعلامية أمريكية، حجم التضليل الممنهج الذي تمارسه لإخفاء خسائرها العسكرية، خصوصاً في عدوانها الأخير على إيران، وقبل ذلك على اليمن.
تقرير حديث نشرته صحيفة «ذا إنترسبت» The Intercept سلطت فيه الضوء على ما يمكن وصفه بفضيحة مكتملة الأركان تتعلق بتلاعب البنتاغون بإحصائيات القتلى والجرحى من الجيش الأمريكي، وصولاً إلى حذف أسماء جنود مصابين من السجلات الرسمية، في محاولة مكشوفة لتقليل الكلفة البشرية للحرب أمام الرأي العام الأمريكي.
وأوضح التقرير أنه: «في ظل وقف إطلاق نار هش في الحرب الأمريكية على إيران، يلعب البنتاغون لعبة أرقام بإحصائيات الخسائر الأمريكية، حيث يضيف ويطرح من العدد مع تزايد التساؤلات حول الخسائر البشرية».
وأضاف: «في اليوم الذي دخل فيه وقف إطلاق النار بين إدارة ترامب وإيران حيز التنفيذ، بلغ عدد القتلى والجرحى الأمريكيين 385. ورغم توقف الأعمال العدائية، ارتفع العدد تدريجيًا إلى 428 يوم الاثنين، وفقًا لإحصاءات البنتاغون. إلا أنه يوم الثلاثاء، انخفض عدد الجنود الجرحى في العمليات القتالية بمقدار 15 جنديًا دون أي تعليق علني من وزارة الحرب، ليصل الإجمالي إلى 413. وظل العدد ثابتًا يوم الأربعاء، باستثناء إحصاء علني واحد لوزارة الحرب أشار إلى أن العدد الإجمالي للجرحى والقتلى بلغ 411». مشيراً إلى أن «معضلة الخسائر البشرية، تأتي في الوقت الذي مدد فيه ترامب الهدنة مع إيران يوم الثلاثاء قبل ساعات فقط من موعد انتهائها».
ويرى محللون أنه بعد قيام البنتاغون بحذف 15 جندياً من سجلات الإصابة، دون تقديم أي تفسير، فإن هذا التلاعب الصريح بالأرقام لا يمكن فهمه باعتباره خطأً إداريًا، وإنما يأتي ضمن سياق أوسع من «إدارة الرواية» التي تتبعها واشنطن في حروبها الخارجية.
الأخطر، وفقاً للتقرير، أن المتحدثين باسم البنتاغون عجزوا عن تقديم أي تفسير، مكتفين بالإحالة إلى «ضابط مناوب غير متاح»، في مشهد يعكس حالة من التهرب المتعمد، والاستهانة بعقول المتابعين.
وأكد أن الإحصاء الرسمي الذي يقدمه البنتاغون للقتلى والجرحى من العسكريين هو أقل بكثير من العدد الحقيقي، ويعود ذلك إلى ما وصفه أحد مسؤولي الحكومة الأمريكية بـ»التستر على الخسائر»، وأن «ذلك يأتي في أعقاب جهود طويلة الأمد بذلها ترامب لتضليل الشعب الأمريكي بشأن الخسائر العسكرية الأمريكية».
وأشار التقرير إلى أن إحصائيات البنتاغون تجاهلت مئات الإصابات خلال هذه الحرب، بما في ذلك إصابة 200 بحار بتأريخ 12 آذار/ مارس الماضي على متن حاملة الطائرات جيرالد فورد، كما لا تشمل الأرقام بحارين أُصيبوا على متن حاملة الطائرات أبراهام لينكولن أواخر الشهر الماضي.
التلاعب طال أيضاً، ضابطا وجنديين أمريكيين، قتلوا، بحسب التقرير في الكويت والبحرين.
في المقابل، يصرّ الخطاب الرسمي الأمريكي على رقم ثابت 13 قتيلاً فقط. وهو رقم يتكرر في تصريحات ترامب، الذي، وفقاً للتقرير، يحرص على تقديم الحرب وكأنها «عملية منخفضة الكلفة»، رغم كل المؤشرات التي تدحض ذلك.

جذور التضليل من العراق إلى اليمن
هذه ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها واشنطن إلى مثل هذه الأساليب. ففي أعقاب الهجوم الإيراني على قاعدة «عين الأسد» عام 2020، أعلن ترامب حينها أنه «لم يُصب أي أمريكي»، قبل أن يرتفع العدد لاحقاً إلى أكثر من 100 جندي مصاب.
وذكّر تقرير صحيفة «ذا إنترسبت» بقيام الإدارة الأمريكية بإخفاء خسائرها في العدوان على اليمن خلال 2024 و2025م في معركة إسناد غزة التي خاضتها صنعاء ضد الكيان الصهيوني.
وأوضح أن واشنطن ترفض، حتى الآن، مصارحة الشعب الأمريكي بتكاليف الحرب على اليمن، مشيراً إلى أن «القيادة المركزية الأمريكية، ومكتب وزير الدفاع، والبيت الأبيض يتكتمون على عدد الضحايا الأمريكيين وهو ما يُعدّ تسترًا. ويطالب أعضاء الكونغرس بالمساءلة».
وأكدت الصحيفة الأمريكية أنه «يتم حجب عدد الأفراد العسكريين الآخرين الذين قتلوا أو أصيبوا في الحملة الأمريكية الأوسع نطاقاً ضد الحوثيين، خلال عهدي بايدن وترامب، عن الشعب الأمريكي».
لماذا تُخفي واشنطن خسائرها؟
يرى مراقبون بأن الجواب على هذا السؤال يتعلق بالرأي العام الأمريكي. ففي النظام السياسي الأمريكي، تُعد الخسائر البشرية عاملًا حاسمًا في تحديد مصير الحروب، بل وحتى الإدارات الحاكمة. تجارب العراق وأفغانستان لا تزال حاضرة، حيث أدى ارتفاع عدد القتلى إلى تصاعد المعارضة الشعبية، وانعكس مباشرة على نتائج الانتخابات.
لذلك، تسعى الإدارة الأمريكية إلى «إدارة الكلفة» إعلامياً، حتى لو كان ذلك عبر التلاعب بالحقائق. فتقليل عدد القتلى والجرحى يعني تقليل الضغط السياسي، وإطالة عمر الحرب دون مساءلة حقيقية، غير أن إخفاء الخسائر لا يلغي وجودها، وإنما يؤجل فقط لحظة المواجهة مع الحقيقة. وعندما تظهر الأرقام الحقيقية، تكون الصدمة أكبر، والتداعيات السياسية أشد.
وفي المحصلة تكشف هذه التقارير أن واشنطن تسعى من خلال التلاعب بالأرقام والخسائر لإعادة تشكيل حقيقة خسارتها للمعركة ميدانياً، وتقديمها للرأي العام على أنها انتصار استراتيجي.
ومن اليمن إلى إيران، يتكرر النمط ذاته، حرب تُخاض بقرارات مزاجية، وخسائر تُمحى من السجلات، وشعب يُطلب منه أن يصدق رواية ناقصة.