الكوماندوز الإيرانية الخفية.. القوى الكامنة وراء الصمت
- تم النشر بواسطة ترجمة خاصة:أقلام مانع / لا ميديا
بيمان صالحي - موقع «المهد» (The cradle)
ترجمة خاصة:أقلام عبدالملك مانع / لا ميديا -
لسنوات، ما إن تظهر القدرات العسكرية الإيرانية في وسائل الإعلام الدولية، ينحصر الحديث في اسم واحد: فيلق القدس.هذا هو المألوف والواضح والمناسب للسرديات المتعلقة
بنفوذ طهران الإقليمي. لكن هذا الإطار يحجب شيئاً أكثر إلحاحاً وأهمية عندما يتحول النقاش من النفوذ طويل الأمد إلى المواجهة قصيرة الأمد.
لو وقع هجوم محدود على جزيرة أو ميناء أو بنية تحتية حيوية، فلن يكون فيلق القدس أول من يتدخل؛ فالوحدات التي ستستجيب فعلاً وتحدد مسار الأحداث في الساعات الأولى أقل شهرة بكثير.
ليس ذلك لعدم وجودها، بل لأن نظام الجمهورية الإسلامية لم يُبنَ أصلاً حولتشكيل نخبة واحد.ما يوجد بدلاً من ذلك هو هيكل متعدد الطبقات، منتشر عبر مؤسسات متعددة، إذ إن «القوات الخاصة» ليست علامة تجارية بل وظيفة.
نموذج موزع للقوة
في قلب هذا الهيكل يقف الحرس الثوري الإسلامي، لاسيما قواته البرية. وضمن هذا الهيكل، يبرز بشكل متكرر مصطلح «الصابرين»، وهو مصطلح يُساء فهمه في كثير من الأحيان. يُوصف أحياناً بأنه وحدة عسكرية؛ لكن هذا الوصف لا يُغطي سوى جزء من الصورة.
من الناحية العملية، تعمل هذه الآلية بشكل أشبه بفئة: مجموعة من قدرات العمليات الخاصة الموزعة عبر تشكيلات مختلفة.
يتم تدريب هذه الوحدات على الغارات والإنزال الجوي والعمليات في التضاريس الوعرة. والأهم من ذلك، أنها منتشرة في مختلف أنحاء إيران. وتشير تقييمات دفاعية سابقة إلى أن وحدات من طراز «الصابرين» تعمل على مستوى الفيالق الإقليمية، وتتناوب بين مناطق العمليات - شمال غرب البلاد ضد الجماعات الكردية المسلحة، وجنوب شرقها ضد شبكات التمرد.
هذا التفصيل مهم؛ فهو يعني أن القدرات النخبوية الإيرانية ليست مركزية في موقع واحد، تنتظر النشر؛ بل هي موزعة بالفعل في جميع أنحاء البلاد، ومتكيفة مع البيئات المحلية، ومعتادة على العمل في صراعات متفرقة.
يختلف هذا النموذج كثيراً عن نموذج القوات الخاصة الغربية، التي غالباً ما تُصمم للانتشار السريع - أي الدخول جواً، وتنفيذ مهمة، ثم الانسحاب. أما النظام الإيراني فهو مصمم للتواجد الفعلي.
إلى جانب «الصابرين»، توجد تشكيلات محددة ضمن القوات البرية للحرس الثوري الإيراني، مثل «لواء سلمان الفارسي» في الجنوب الشرقي، أو ألوية خاصة أخرى تظهر في التدريبات والتقارير الداخلية، لا تزال معلوماتها العامة محدودة؛ لكن وظيفتها واضحة؛ فهي تعمل بين قوات الأمن المحلية والوحدات الاستراتيجية العليا، لتعزيز نقاط الضعف والتصدي للتهديدات المفاجئة.
ما وراء الحرس الثوري الإيراني؟
إن قدرات إيران في العمليات الخاصة تتجاوز الحرس الثوري الإيراني.
داخل الجيش النظامي، المعروف باسم «أرتش»، لا يزال هناك تقليد مختلف قائم - أقدم وأكثر تقليدية، ولكنه لا يزال ذا صلة. أبرز هذه الوحدات هي «اللواء 65» للقوات الخاصة المحمولة جواً، والمعروف باسم «نوهد». وعلى عكس تشكيلات الحرس الثوري الإيراني، فإن «نوهد» أقرب إلى القوات الخاصة التقليدية؛ فهي مؤهلة للعمليات المحمولة جواً، ومدربة على الاستطلاع والعمليات المباشرة، وقادرة على الانتشار السريع.
ما يجعل تشكيلة «نوهد» مثيرة للاهتمام بشكل خاص ليس فقط تدريبها، بل أيضاً محدودية مشاركتها العملياتية في الخارج. تشير التقارير التي تفيد بنشرها في سورية عام 2016 إلى أنه في ظل ظروف معينة، يمكن حتى استخدام القوات الإيرانية التقليدية في أدوار استكشافية.
مع ذلك، فإن التركيز على القوات البرية فقط سيغفل جزءاً بالغ الأهمية من الصورة.
الحافة البحرية
تتجلى قدرات إيران في العمليات الخاصة بشكلٍ واضح في المجال البحري؛ إذ يمتلك سلاح البحرية التابع للحرس الثوري الإيراني تشكيلاً متخصصاً يُعرف باسم قوة البحرية الخاصة (SNSF). وتتمركز هذه التشكيلة في جزر الخليج الفارسي، بما فيها جزيرة فورور، حيث تتدرب على الغوص القتالي، والهجوم البرمائي، وعمليات الصعود إلى السفن.
على عكس العديد من التشكيلات البرية الإيرانية التي تعمل في الغالب بعيداً عن الأنظار، تركت هذه القوات البحرية بصمة عملياتية أوضح؛ فقد شاركت في عمليات مكافحة القرصنة في خليج عدن، وترتبط على نطاق واسع بقدرة إيران على الاستيلاء على السفن أو اعتراضها في مضيق هرمز.
يعكس هذا واقعاً استراتيجياً. ففي مواجهة القوى الخارجية، من المرجح أن تنخرط إيران في عمليات محدودة ومحصورة جغرافياً، لاسيما في البحر، بدلاً من خوض حرب تقليدية واسعة النطاق.
إعادة النظر في مفهوم «القوات الخاصة»
هذا يثير مشكلة أعمق تتعلق بالمقارنات الغربية. إن البحث عن نظير إيراني لفريق (SEAL Team Six) أو «قوة دلتا» يُغفل الهدف الأساسي. فالنظام الإيراني ليس مصمماً لإنتاج تشكيل نخبة واحد ظاهر للعيان، بل يضمن وجود قوات قادرة على الاستجابة السريعة والمحلية والمنسقة في مختلف مجالات الأمن البري والبحري والداخلي.
هنا يبرز دور «الباسيج»، الذي غالباً ما يُغفَل عنه رغم أهميته الهيكلية. فبينما يركز جزء كبير من «الباسيج» على التعبئة والسيطرة الداخلية، فإن بعض عناصره، مثل وحدات «الفاتحين»، تتلقى تدريباً على مستوى أعلى، وقد ورد أنها نُشرت في جبهات خارجية كسورية.
والأهم من ذلك، أن وحدات «الباسيج» مُدمجة في عمليات الحرس الثوري الإيراني على المستوى التكتيكي، إذ تُوفر التعزيزات والمعرفة المحلية والقوى البشرية. وفي سيناريو حقيقي، من المرجح أن تكون من أوائل المستجيبين، ليس كقوات كوماندوز نخبة، بل كجزء من نظام دفاعي متعدد الطبقات يدعم ويُعزز عمل الوحدات الأكثر تخصصاً.
نظام مصمم لضمان الاستمرارية
وبالنظر إلى هذا الهيكل في عمومه، فإنه يبدأ في تفسير سبب صعوبة رسم خريطة للقوات الخاصة الإيرانية وصعوبة مقارنتها.
لم تُصمم هذه القوات لتكون ظاهرة للعيان، ولا تخضع لقيادة مركزية واحدة، ولا تعمل بشكل أساسي في مهام عالمية رفيعة المستوى تُعرف بها العمليات الخاصة الغربية.
بدلاً من ذلك، تطورت خبرتهم في ساحات أكثر هدوءً: الصراعات الحدودية، عمليات الأمن الداخلي، والانتشار الانتقائي في سورية والعراق.
هذه التجربة أقل إثارة؛ لكنها ليست بلا أهمية؛ فهي تؤكد القدرة على التكيف، والإلمام بالتضاريس، والقدرة على العمل ضمن نظام أوسع بدلاً من العمل بشكل مستقل.
لذا فإن ما يستجيب لغارة خارجية محدودة ليس وحدة واحدة، بل تسلسل يتشكل من خلال القرب والقدرة والتصعيد.
تتحرك عناصر الحرس الثوري الإيراني و«الباسيج» المحلية أولاً لتأمين المنطقة المحيطة مباشرة، تليها تشكيلات من نوع «الصابرين» تعمل كتعزيزات متنقلة. بالتوازي، إذا سمحت الظروف البحرية بذلك، تتحرك القوات البحرية الخاصة التابعة للحرس الثوري الإيراني للسيطرة على الوصول البحري أو تعطيله، بينما يمكن إدخال وحدات «أرتش»- مثل «نوهد» - كتعزيزات من مستوى أعلى عند الحاجة إلى ذلك في حالات التصعيد.
يعمل النظام من خلال الطبقات - وهو هيكل مصمم لامتصاص الصدمات، وتعزيز نقاط الضعف، والحفاظ على استمرارية العمليات. هذه هي الفكرة الأساسية.
لا تزال قدرات إيران في مجال العمليات الخاصة أقل وضوحاً، ليس لضعفها، ولا لسرّيتها الفريدة، بل لأنها لا تتوافق مع الروايات السائدة حول الشكل الذي يُفترض أن تبدو عليه القوات الخاصة.
لا يوجد شعار واحد، ولا قوة واحدة ترمز إليه. ما يوجد بدلاً من ذلك هو نظام يصعب تحديده، ويصعب جداً تعطيله.










المصدر ترجمة خاصة:أقلام مانع / لا ميديا