معبر رفح يُفتح شكلياً و«إسرائيل» تشدد الحصار بطرد «أطباء بلا حدود» من القطاع
- تم النشر بواسطة لا ميديا
تقرير / لا ميديا -
من «شارع صلاح الدين» شمال وادي غزة إلى أطراف رفح جنوباً، يتبدد الحديث عن «وقف إطلاق النار» مع كل غارة جديدة.
واستمر المشهد الدموي اليومي، أمس الأحد، حين استهدفت طائرات الاحتلال مجموعة من النازحين، لتضيف «أرقاماً» جديدة إلى سجل الضحايا المفتوح، في وقت يواصل فيه العدو الصهيوني إدارة العدوان بنظام المناوبات: قصف في الميدان، وتبرير في البيانات، وتواطؤ دولي يوفّر الغطاء.
وزارة الصحة في قطاع غزة أعلنت، أمس، ارتفاع حصيلة الضحايا الفلسطينيين جراء الإبادة الصهيونية منذ 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، إلى 71 ألفاً و795 شهيداً، و171 ألفاً و551 جريحاً.
وقالت الوزارة، في بيان إحصائي، إن «مستشفيات القطاع استقبلت خلال الـ24 ساعة الماضية 26 شهيداً جديدا و68 مصاباً»، دون تحديد ملابسات ذلك.
الدفاع المدني في غزة أفاد بأن غارة قرب وادي غزة، أمس، أسفر عنها استشهاد أيمن عوض عبد الرحمن زقوت (48 عاماً) وإصابة عدد من النازحين الذين كانوا يعتقدون أن وجودهم في تلك المنطقة يمنحهم هامش أمان. بعد ساعات، ارتقى شهيد آخر جراء قصف مدفعي شمال غربي رفح، بينما أعلن العدو الصهيوني قتل أحد الأهالي جنوب القطاع بدعوى «تجاوز الخط الأصفر» واعتباره «تهديداً مباشراً»؛ مصطلحات صهيونية باتت تُستخدم كتصاريح جاهزة لإزهاق الأرواح، إذ يتحول أي تحرك فلسطيني إلى ذريعة قاتلة.
«رفح» يُفتح إعلاميا وتوصده النار ميدانياً
الوقائع الميدانية الدامية تتقاطع مع مشهد سياسي يُسوق باعتباره «انفراجة إنسانية»، بينما هو في الحقيقة فتح شكلي لمعبر رفح تحت سقف القصف. المعبر، الذي أُغلق عاماً ونصف العام بفعل الحصار والتدمير والسيطرة العسكرية، فُتح أمس بجرعة رمزية لا ترقى حتى إلى الحد الأدنى من الاستجابة الكارثية للوضع الإنساني. المرحلة الأولى تقتصر على حركة أفراد بلا بضائع ولا مساعدات، في معادلة تعكس إدارة للأزمة لا حلها. على الورق يبدو الأمر إجراءً إنسانياً، أما على الأرض فهو ممرّ ضيق يمر عبره المرضى بينما الطائرات لا تغادر السماء. الاتفاق يسمح بخروج نحو 50 مريضاً يومياً مع مرافقيهم (قرابة 150 شخصاً)، إضافة إلى عودة محدودة لفلسطينيين غادروا خلال عدوان الإبادة، وكل ذلك ضمن منظومة تدقيق أمني معقدة تجعل النجاة تمر عبر بوابة بيروقراطية باردة.
لكن الأرقام الطبية تفضح الهوة بين البيانات السياسية والواقع السريري القاسي. مدير مجمع الشفاء الطبي، محمد أبو سلمية، أعلن بوضوح أنه لا توجد حتى اللحظة آلية تنفيذية واضحة لإجلاء المرضى عبر معبر رفح، رغم وجود نحو 20 ألف مريض وجريح داخل القطاع، بينهم 4500 طفل يحتاجون علاجاً عاجلاً لا يتوفر محلياً. التجربة السابقة التي أشار إليها أبو سلمية لا تبعث على الطمأنينة؛ إذ استشهد 1280 مريضاً وجريحاً وهم ينتظرون تصاريح الخروج، في مشهد يلخص كيف تتحول «الموافقات» إلى حواجز زمنية قاتلة. التحذير الطبي صريح: إذا استمرت آلية الموافقات البطيئة ذاتها، فإن مسار الإجلاء لن يكون ممر إنقاذ، بل طابور انتظار طويلاً على حافة الموت، حيث الوقت ليس عامل تنظيم- بل عامل فتك.
الاحتلال يطرد «أطباء بلا حدود» من غزة
إلى ذلك صعّد العدو الصهيوني حربه على المنظومة الإنسانية في غزة. فقد أبلغت سلطات الاحتلال منظمة «أطباء بلا حدود» بوجوب وقف عملها في غزة ومغادرة القطاع بنهاية شباط/ فبراير، بذريعة عدم تقديم قوائم بأسماء موظفيها الفلسطينيين.
المنظمة اعتبرت القرار جزءاً من حملة ضغط وترهيب أوسع تستهدف تقليص عمل الإغاثة، مؤكدة أن اشتراط تسليم بيانات العاملين دون ضمانات يعرضهم لمخاطر مباشرة. وفي أرقام تعكس حجم الفجوة التي سيخلّفها هذا القرار، قالت المنظمة إنها عالجت خلال عام واحد أكثر من 100 ألف إصابة بليغة، وأجرت 22,700 عملية جراحية، وقدمت مئات آلاف الاستشارات، وأسهمت في آلاف الولادات، فضلاً عن دعم مستشفيات ومراكز تغذية ورعاية أولية، في قطاع دُمّر نظامه الصحي.
ونقلت الوكالة الفرنسية عن منظمة «أطباء بلا حدود» قولها إن «القرار الإسرائيلي بوقف أنشطتنا ذريعة لمنع المساعدات عن غزة».
القرار الصهيوني كذلك لا يُقرأ طبياً، بل سياسياً: تجفيف الشهود قبل تجفيف الجراح. فكل منظمة تغادر تقلّ معها العيون التي توثق، والأصوات التي تشهد، والأيدي التي تُسعف. وبينما تواصل «إسرائيل» ادعاء «تسهيل العمل الإنساني»، تتراكم القيود على دخول الإمدادات والكوادر، في تناقض صارخ بين الخطاب والممارسة.
بؤر استيطانية جديدة في الضفة
وفي الضفة الغربية المحتلة، يتواصل المسار ذاته بوسائل أخرى. قوات الاحتلال أنذرت سكان تجمع الخلايل البدوي جنوب المغيّر شرقي رام الله بالإخلاء، باعتبارها «منطقة عسكرية مغلقة». الاقتحام تخلله اعتقال ثلاثة متضامنين أجانب، فيما تواجه 11 عائلة بدوية خطر التهجير القسري مجدداً، بعد أن هُجّرت قبل عامين من عين سامية بفعل اعتداءات قوات الاحتلال والغاصبين. السكان يؤكدون أن المضايقات لم تتوقف، وأن بؤراً استيطانية أُقيمت بمحاذاة التجمع، مع منع الرعي، ومصادرة مركبات، واعتداءات متكررة، في نمط يُستخدم فيه العنف الميداني كأداة ضغط لدفع الفلسطينيين إلى الرحيل.
هكذا، في عموم فلسطين، تتجاور صور المرضى المنتظرين على قوائم السفر مع صور النازحين تحت القصف، وصور المهددين بالطرد من أرضهم مع صور المستشفيات التي تعمل بـ10٪ من طاقتها. وبينما تتحدث البيانات الرسمية عن «مراحل» و«ترتيبات» و«إجراءات تدقيق»، يبقى الثابت الوحيد على الأرض هو أن الحياة الفلسطينية مستهدفة من قبل العدو الصهيوني، في كل مكان، وتحت أي مسمى.










المصدر لا ميديا