انهيار التحالف الخليجي.. كيف قلب صراع اليمن العلاقات السعودية- الإماراتية رأساً على عقب؟!
- تم النشر بواسطة ترجمة خاصة:أقلام مانع / لا ميديا
أدريان بلومفيلد - مراسل أجنبي أول صحيفة «تليغراف» البريطانية
ترجمة خاص أقلام عبدالملك مانع / لا ميديا -
قال قادة «المتمردين» الذين طرقوا باب غرفتي في فندق بمدينة عدن اليمنية الساحلية في العام 2011 إن لديهم رسالة مهمة لإيصالها.بكل وقار، سلمني مندوبان من الحركة الجنوبية الانفصالية رسالة موجهة إلى «ملكة إنجلترا». وطلبا مني إبلاغها بأنهما اعتنيا جيداً بسيارة الرولز رويس التي استخدمتها في جولتها في المدينة الساحلية عام 1954، وأن بإمكانها استعادتها متى شاءت.
الأهم من ذلك، أنهم أرادوا إبلاغ الملكة بأن البيان البريطاني الذي منح جنوب اليمن استقلاله احتوى على خطأ تقني. ونتيجة لذلك، أصروا على أن عدن وصحارى حضرموت -وهما منطقتان كانتا تابعتين للتاج البريطاني ومحمية اليمن- لا تزالان ملكاً للملكة. ولذلك، سيكونون ممتنين للغاية إذا عادت لاستعادتهما من النظام الفاسد في العاصمة اليمنية صنعاء.
وزعموا أنه في ظل الحماية البريطانية، يمكن لليمن الجنوبي أن يتحرر مرة أخرى من اتحاده التعيس مع اليمن الشمالي، الذي اندمج معه في العام 1990 لتشكيل الجمهورية اليمنية.
لسنوات، بدت هذه الادعاءات مجرد خيالٍ حنيني. لكن في الشهر الماضي، بدا أن هذا الحلم قد تحقق لفترة وجيزة، ليس بفضل بريطانيا، بل بفضل قوة جديدة متهمة بمخططات إمبريالية جديدة: الإمارات. ما تلا ذلك لم يكن استقلال الجنوب، بل قطيعة مع السعودية تُنذر بإطلاق سلسلة من عدم الاستقرار في جميع أنحاء المنطقة.
في هجوم خاطف، في الثاني من كانون الأول/ ديسمبر، سيطرت قوات «المجلس الانتقالي الجنوبي»، المتمركز في عدن، وهو فصيل من الحركة الجنوبية مدعوم إماراتياً، على معظم حضرموت ومنطقة المهرة شرقاً. وفي غضون أيام، سيطر الانفصاليون على المحافظات الثماني التي كانت تُشكّل جنوب اليمن.
للحظة، بدا أن الإمارات قد هندست إعادة تنظيم إقليمي دراماتيكي في اليمن بعد أكثر من عقد من حربها الأخيرة والأكثر وحشية -والتي أودت بحياة ما يقدر بنحو 377 ألف شخص- ما عزز الطموحات الإماراتية في بناء قوتها في هذه العملية.
لكن ما بدا وكأنه استيلاء محلي على السلطة في اليمن، سرعان ما كشف عن شيء أكبر بكثير.
بعد أسبوعين، تحول النصر إلى إهانة؛ إذ إن تدخلاً عسكرياً سعودياً حاسماً أجبر الانفصاليين على التراجع بسرعة تقدمهم نفسها، ما أدى إلى انزلاق العلاقات بين القوتين الرئيسيتين في الخليج إلى أزمة مفتوحة.
لسنوات، سارت السعودية والإمارات جنباً إلى جنب، وأعادتا تشكيل شبه الجزيرة العربية من منطقة جيوسياسية متخلفة إلى قوة عالمية.
والآن، انفجرت التوترات بين حاكميهما -وكلاهما وضع نفسه بين أقرب الشركاء الأجانب لدونالد ترامب- إلى العلن، مع عواقب دولية خطيرة محتملة.
يقول محمد الباشا، وهو محلل شؤون الشرق الأوسط المقيم في الولايات المتحدة: «إنه طلاق علني للغاية. تم تقديم أوراق المحكمة، وعرضت أدلة فيديو وصوتية. لقد أصبح الأمر قبيحاً للغاية».
في ظل الخلافات القائمة أصلاً حول الحرب الأهلية في السودان، حيث تدعم الدولتان أطرافاً متنازعة، يُهدد هذا الانقسام بزعزعة استقرار «الشرق الأوسط»، واضطراب أسواق النفط، وإثارة قلق المستثمرين الأجانب. كما أن للأزمة تداعيات داخل اليمن أيضاً، إذ من المتوقع أن يستفيد الفرع المحلي لتنظيم «القاعدة» من تجدد الفوضى. وكانت القوات الخاصة الإماراتية -التي انسحبت هذا الأسبوع تحت ضغط سعودي- قد قادت سابقاً جهودا إقليمية ضد المسلحين إلى جانب بريطانيا والولايات المتحدة.
من الواضح أن إدارة ترامب تشعر بالقلق. وقد أجرى ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، اتصالات هاتفية مع كلا الجانبين، كما عقد محادثات عاجلة مع وزير الخارجية السعودي في واشنطن هذا الأسبوع.
تدخلت السعودية والإمارات تدخلاً مشتركاً في الحرب الأهلية اليمنية عام 2015 لمنع سيطرة حركة الحوثيين المدعومة من إيران، على اليمن. إلا أن تحالفهما المناهض لإيران انقلب على نفسه منذ ذلك الحين، إذ تدعم كلتا الدولتين فصائل متنافسة وجهت أسلحتها بعضها ضد بعض، بدلاً من استهداف الحوثيين، الذين يسيطرون على صنعاء ومعظم شمال البلاد.
بلغت الأزمة ذروتها الأسبوع الماضي (أوائل الشهر الجاري) عندما قصفت السعودية -التي شعرت بالقلق من اغتصاب نفوذها في دولة مجاورة تعتبرها راسخة ضمن نطاق نفوذها- ميناء المكلا الحضرمي، ودمرت ما قالت إنه شحنة أسلحة كان الإماراتيون يسلمونها للانفصاليين.
طالبت الرياض وحصلت على التزام إماراتي بسحب قواتها من اليمن؛ لكنها فشلت حتى الآن في إجبار خصمها على التخلي عن دعمه لشبكة المليشيات المحلية التابعة له.
في انتكاسة مهينة للطموحات الإماراتية، قامت الطائرات السعودية بسحق القوات الانفصالية بسرعة، والتي كانت قبل أسابيع فقط تبدو واثقة بما يكفي لإعلان خطط لإجراء استفتاء على انفصال الجنوب في غضون عامين.
سعياً منها لإعادة توحيد الجبهة المنقسمة المناهضة للحوثيين، استدعت السعودية قيادة «المجلس الانتقالي الجنوبي» إلى الرياض. لكن آمال التوصل إلى حل سريع تبددت، بعد أن اتهمت السعودية الإمارات بتهريب عيدروس الزبيدي، زعيم المجلس، إلى خارج البلاد ومنحه ملاذاً آمناً في أبوظبي. وكان المسؤولون السعوديون يطالبون بمحاكمة الزبيدي بتهمة الخيانة العظمى، ويسعون لإجبار حركته على التفكك. وقد أدى هذا الخلاف إلى تدهور العلاقات بين البلدين إلى أدنى مستوياتها.
لأكثر من عقد من الزمان، كانت السعودية والإمارات ظاهرياً على الجانب نفسه في اليمن، إذ أكد تدخلهما المشترك على العلاقة المتنامية بين محمدين: ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، المعروف باسم (MBS)، والشيخ محمد بن زايد، نظيره الإماراتي المعروف باسم (MBZ).
كان محمد بن زايد، الذي يكبر ولي العهد محمد بن سلمان بجيل، بمثابة مرشد له في البداية، إذ عزز سمعته في واشنطن وعمل معه على الترويج لتفسير أكثر حداثة للإسلام. وقد عملا معاً على عزل قطر والسعي لمواجهة إيران، وإعادة تشكيل المنطقة بما يتناسب مع رؤيتهما الحديثة - وإن كانت استبدادية.
لكن تحت أجواء الزمالة، كانت التوترات تتصاعد بالفعل. فقد تحول التعاون إلى منافسة، إذ ضغطت السعودية على الشركات الدولية لنقل مقراتها الإقليمية من دبي إلى الرياض، في إطار سعيها لإعادة ابتكار المملكة كمركز أعمال عالمي.
تزايد استياء السعودية من السياسة الخارجية الإماراتية الأحادية المتنامية. وتذمر مسؤولون سعوديون من أن الإمارات تقوض وحدة الخليج من خلال إعادة العلاقات مع بشار الأسد، الرئيس السوري السابق، وتطبيع العلاقات مع «إسرائيل»، والتحالف مع روسيا ضد السعودية في قضايا الطاقة.
وتزايدت حدة هذا التنافس وامتد إلى ساحات القتال الخارجية. ففي كل من السودان واليمن، بدأ السعوديون والإماراتيون بدعم فصائل متناحرة بعد أن كانوا يدعمون في البداية الأطراف نفسها.
في اليمن، لطالما تباينت أهدافهما. فالإمارات، المعارضة الشرسة للإسلام السياسي، تشارك السعودية عداءها لإيران، لكنها تشكك في تحالف الرياض مع فرع جماعة الإخوان المسلمين في اليمن. ومع تركيز السعودية على شمال اليمن وأمن الحدود، وتركيز الإمارات على الموانئ الجنوبية والممرات البحرية، انتهى بهما الأمر إلى دعم فصائل متنافسة.
لا يزال سبب إقدام الإمارات على استفزاز السعودية غير واضح. ويرى المحللون أن أبوظبي ربما أخطأت في حساباتها؛ إذ راهنت على أن الرياض قد فقدت اهتمامها باليمن في سعيها لتحقيق انفراجة إقليمية أوسع.
رغم أن الإماراتيين تحركوا بسرعة لنزع فتيل الأزمة المباشرة، عن طريق سحب قواتهم في غضون 48 ساعة، إلا أن هناك مخاوف متزايدة من استمرار التنافس - مع عواقب وخيمة على اليمن.
يقول فارع المسلمي، الباحث في مركز «تشاثام هاوس» للأبحاث الدولية: «دفعت الإمارات رواتب ما لا يقل عن 100 ألف جندي في اليمن، وقامت بتدريبهم وتسليحهم. ولا تزال تتمتع بنفوذ هائل يتجاوز المجلس الانتقالي الجنوبي. ونظراً لحجم استثماراتها، يُعدّ شنّ حرب بالوكالة خياراً سهلاً وغير مكلف بالنسبة لها».
ويضيف: «الأمر الأكثر حزناً هو أن ملايين اليمنيين سيعانون أكثر من ذلك».
ولا تقتصر المخاطر على اليمن فحسب، بل إن المناطق التي تعاونت فيها الدولتان سابقاً، أو على الأقل تجنبتا المواجهة، قد تصبح ساحات جديدة للتنافس في جميع أنحاء الشرق الأوسط وخارجه.
يحذر المسلمي قائلاً: «سيمتد هذا الأمر إلى ليبيا وسورية ولبنان وفلسطين. ستكون هناك عواقب في البحر والتجارة ومكافحة تنظيم القاعدة والهجرة. إنه وضع مقلق للغاية».
بغض النظر عما إذا كانت التوترات في اليمن ستخف أم لا، يبدو أن المملكة السعودية مصرة على كبح طموحات الإمارات في أماكن أخرى.
يقول محمد الباشا، المحلل المقيم في الولايات المتحدة: «حتى لو هدأت الأوضاع في اليمن، لا أعتقد أنها ستهدأ في السودان والصومال وليبيا. قد تصبح السعودية أكثر عدوانية تجاه الإمارات، وستستهدف شبكتها الإقليمية».
في غضون أسابيع، أصبحت ما كانت تُعتبر أهم علاقة ثنائية في «الشرق الأوسط» الآن في حالة يرثى لها، مع ما يترتب على ذلك من آثار عميقة على المنطقة.
لم يعد محمد بن زايد ومحمد بن سلمان يتحدثان. ومع مرض والده البالغ من العمر 90 عاماً، أصبح ولي العهد السعودي الآن ملكاً مُنتظراً، ويُقال إنه ينظر إلى «معلمه» السابق على أنه شخص متغطرس يحتاج إلى تأديب. ومع تحول الودّ إلى عداء، ستتجاوز آثار ذلك حدود اليمن بكثير، إذ تبدو الآن فرصة استقلال الجنوب أبعد من أي وقت مضى.










المصدر ترجمة خاصة:أقلام مانع / لا ميديا