ثورة 21 أيلول مبتدأ المفاجآت اليمنية
- عبد الحسين شبيب السبت , 25 سـبـتـمـبـر , 2021 الساعة 7:24:12 PM
- 0 تعليقات

عبد الحسين شبيب / لا ميديا -
لم تنل ثورة 21 أيلول/ سبتمبر 2014 التي قادتها "أنصار الله" في اليمن حقها من الاستعراض والنقاش والتحليل بوصفها متحولاً استراتيجياً في منطقة فائقة الحساسية، ذلك أن الحرب التي شنها تحالف إقليمي بدعم دولي بقيادة السعودية بعد 6 أشهر من انتصار تلك الثورة هدفت بالدرجة الأولى إلى احتواء مضاعفاتها والانقضاض عليها قبل أن يقوى عودها ويتزايد تأثيرها. والأسباب التي دفعت إلى شن تلك الحرب المستمرة منذ 7 سنوات ونيف تتركز في التالي:
1 - إحباط النموذج اليمني الناجح في إطلاق وإدارة ثورة شعبية في جوار خليجي يتسم بالحكم الوراثي المطلق -إلا ما ندر، ويعتمد في صناعة السلطة وتداولها على سلالات عائلية وعلاقات قبلية ودعم خارجي، أمريكي بريطاني بالتحديد، ولا يوجد فيها للشعب أي مشاركة فاعلة في إنتاج تلك السلطات وتداولها.
2 - الحؤول دون إقامة نظام سياسي في صنعاء يأخذ بيد اليمنيين نحو إقامة دولة مستقلة بالفعل وليس بالشعار، وذات سيادة حقيقية بالممارسة وليس بالنصوص، ويكون لتلك الدولة اليمنية الجديدة (الحديثة) الصلاحية المطلقة في تحديد سياستها الخارجية واختيار الصديق من العدو بعد أن تتخلص من الارتباط الكلي بالإدارتين الأمريكية والسعودية اللتين أدارتا منفردتين أو بالتشارك السياسة اليمنية لعقود خلت قبل تاريخ 2014.
3 - المشروع الثقافي القرآني الجهادي لحركة "أنصار الله" كان العنصر الذي فاقم القلق لدى كل من الرياض وواشنطن وعواصم أخرى في العالم والإقليم من هذا المتغير الاستراتيجي الذي سيطلق لاحقاً مساراً متصاعدا من المفاجآت اليمنية انطلاقاً من بعد إيماني في إدارة الشأن العام، والذي تميز بجرأة استثنائية في خوض غمار تلك التجربة الثورية متكئا على إرث من حروب ست واجه فيها البطش الداخلي لنظام علي صالح بإيعاز أمريكي وإعانة سعودية، ثم مشاركة فعالة في ثورة فبراير 2011 اليمنية قبل أن يتم اكتشاف حقيقة من يتلاعب بأحلام اليمنيين بالتغيير، وكيف أخذوا إلى وصاية دولية بموجب ما سمي "المبادرة الخليجية" المشفوعة بقرارات من مجلس الأمن الدولي بوضع اليمن تحت الفصل السابع مع ما يعنيه ذلك من تشريع أممي للتدخل الدولي الأمريكي والمتعدد الجنسيات في شؤون هذا البلد.
من هذه النقطة بالذات كانت المفاجأة الأولى التي حققتها ثورة 21 أيلول/ سبتمبر بالإطاحة بتلك الوصاية الدولية التي عاثت فسادا في اليمن على مدى 3 سنوات عبر منظومة عبد ربه منصور هادي وعلي محسن الأحمر ومن بينهما من تركيبة متعددة الأضلاع من شركاء النظام السابق ممثلين سياسيا بحزبي التجمع اليمني للإصلاح والمؤتمر الشعبي العام وأطر قبلية ومناطقية وشخصية تشاركت في إدارة تلك المرحلة بإشراف أمريكي سعودي أيضاً.
المفارقة التي أحدثتها ثورة 21 أيلول/ سبتمبر أنها كسرت تلك القاعدة التي اتكأت عليها ما عُرفت بثورات "الربيع العربي" التي قامت على دعم خارجي محض اتخذ أشكالا مختلفة من التعبير عنه كانت ذروته في تحول ما سمي الثورة السورية إلى حرب دولية إقليمية على سورية. وبالتالي كان حراك اليمنيين بقيادة "أنصار الله" ينطلق من دون أي رعاية خارجية ورفضا لأي استدعاء خارجي ثم وصاية خارجية، ونجحت في ذلك رغم الطوق المحكم الأمريكي الخليجي عبر تلك المبادرة المشؤومة.
كان ذلك تحديا كبيرا يحتاج إلى شجاعة الإقدام والاستمرار وحماية الإنجاز، وهو ما حصل بالفعل، بحيث أن من أولى نتائج تلك الثورة إقفال سفارات دول الوصاية القديمة والجديدة وعلى رأسها سفارة الأمريكيين الذين فوجئوا من السرعة في الحسم والسيطرة والإمساك بالأرض بتقنيات مزجت بين الشعبي والعسكري والإعلامي، وغادروا (الأمريكيين) بوساطة عُمانية تاركين وراءهم مشروعا عملوا على بنائه لعقود عدة في هذا البلد ذي الموقع الاستراتيجي في زاوية بحرية خطيرة جدا وفي جوار قريب من نزاعات مقلقة، وهذه هي المفاجأة الأخرى التي صدمت الأمريكيين بسرعة سقوط هذا البلد من يدهم ودخولهم في مرحلة من التيه والتخبط في التعامل مع المستجدات، فأخرجوا من واشنطن "عاصفة الحزم" كمحاولة لإسقاط تلك الثورة واحتواء مفاعيلها.
هنا أيضا وقع الجميع من جديد في فخ التقدير الخاطئ لما ستؤول إليه الحرب ليظهرَ مرة أخرى وفي ساحة هامة جداً فشلٌ استخباري بحثي لدى صانع القرار الأمريكي في أن تلك الموجة العنيفة من العاصفة ستطيح بالثورة سريعا، قبل أن تمر سنين قصيرة جدا في عمر التحولات الكبرى ليعترف هؤلاء ويلمسوا بالدليل الحسي كيف قادت "أنصار الله" اليمن إلى مرتبة اللاعب الإقليمي الهام جدا بعد أن أتمت بنجاح ترتيب البيت الداخلي وإنتاج سلطة تدير بلداً يتعرض لعدوان شرس ويخضع لحصار وحشي وتحبط مؤامرات داخلية خطيرة كالتي قادها علي صالح والتي أدت إلى مصرعه.
لذا ثورة 21 أيلول/ سبتمبر لا تقرأ بوقائعها فقط إنما بنتائجها، ما قبل الحرب وما بعدها، بحيث أعادت إنتاج فريق يمني سياسي إداري عسكري أمنى ثقافي إعلامي يدير السلطة الجديدة بكفاءة تختلف كليا عن كفاءة الفريق الذي يدير المناطق الخاضعة للاحتلال السعودي الإماراتي، والتي تحولت إلى مناطق صراع دموي وفوضى أمنية واجتماعية عارمة. وهي بذلك تعيدنا إلى نقطة الإبهار الأولى في ذلك الحدث الاستثنائي الذي كان سيجذب الشباب العربي في الجوار وغيره إلى خوض تجربة مماثلة بالاعتماد على منطلقات إيمانية مختلفة عن تلك التي استثمر فيها البعض في الإسلام السياسي بطريقة انتهازية انتهت بهم من إخفاق إلى آخر.
فليس صدفة أنه بعد عشر سنوات وعشرة أيام بالتمام والكمال على استشهاد مؤسس "أنصار الله"، السيد حسين بدر الدين الحوثي، في العاشر من أيلول/ سبتمبر عام 2004 فيما بات يعرف يمنيا بالحرب الأولى التي شنها نظام علي صالح على محافظة صعدة التي انطلق منها الشهيد الحوثي، ليس صدفة أنه بعد هذه المدة القصيرة انتصرت ثورة 21 أيلول/ سبتمبر بقيادة "أنصار الله" وأصبحت قطب الرحى في الحياة السياسية اليمنية وباتت طرفا مؤثرا في النشاط الإقليمي ومكوناً آخر من مكونات محور المقاومة في الانخراط بقضايا الأمة.
وهذا العمر القصير جداً زمنياً في التحول من صعدة إلى صنعاء إلى المجال الخارجي يعتبر ملفتا جدا في رصد وتحليل وفهم نمو الظواهر السياسية التي تحتاج فترات أطول بكثير من عقد. وهذه نقطة مركزية في فكرة المفاجآت اليمنية التي بدأت تظهر تباعاً إلى أن بات اليمن -على سبيل المثال لا الحصر- عنواناً إضافيا في هذه الأيام لمعادلات الصواريخ الباليستية والطيران المسير وفوقهما مكان جديد لانتصار إضافي ذي قيمة استثنائية في مواجهة النظام العالمي الذي تديره الولايات المتحدة ولا يخرج عنها إلا القليل من الدول والقوى التي يدأب السيد عبدالملك الحوثي على توجيه الشكر لها في كل مناسبة لوقوفها إلى جانب الشعب اليمني ومظلوميته.
على أن المفاجأة الأبرز التي تكرست بشكل لافت أيضاً هي تمكن هذه القيادة الشابة من الأخذ بيد شعبها من الثورة إلى الدولة إلى الانتصار في الحرب مع فارق المؤهلات والخبرات والإمكانيات في مراكز صنع القرار في تلك الدول التي تناصب اليمنيين العداء. ورغم ذلك كان سقوطهم وفشلهم مدويا مقابل سطوع قيادة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي لتصطف ثورة 21 أيلول/ سبتمبر إلى جانب الثورة الإسلامية في إيران التي كانت عنوان التحول الاستراتيجي الأكبر والمفاجأة الأبرز في العقود الأخيرة من القرن الماضي، وتكون الثورة اليمنية متحولاً استراتيجياً أبرز في العقد الثاني من القرن الحالي ستتمظهر نتائجه وتجلياته تباعا. أما ما لا يفاجئ اليمنيين وأصدقاءهم فهو أن كل ذلك هو من يقينيات الحقيقة القرآنية الإلهية التي تعد المؤمنين بالنصر دائماً وبالمزيد منه.
* صحفي لبناني.










المصدر عبد الحسين شبيب
زيارة جميع مقالات: عبد الحسين شبيب