إلى أشرف وأطهر الناس
 

هاني شاهين

د. هاني شاهين / لا ميديا -
إلى المقاومين الذين وقفوا بين الوطن والهاوية، إلى الشهداء الذين كتبوا بدمائهم حدود الكرامة، إلى الأمهات اللواتي ودّعن أبناءهنّ بقلوبٍ تنزف وفخرٍ لا ينحني، إلى الآباء والزوجات والأطفال الذين حملوا وجع الفقد بصمت العظماء، إلى النازحين الذين تركوا بيوتهم وذكرياتهم وأحلامهم وساروا في دروب القهر حفاظاً على الأرض والإنسان...
لكم جميعاً ينحني الكلام خجلاً.
كيف يمكن للكلمات أن تفيكم حقّكم؟! وكيف للحروف أن تصف ليالي أُمٍّ كانت تنتظر صوت ابنها الشهيد، أو طفلاً نام على وسادة الغربة وهو يحلم بباب بيته الذي تركه خلفه تحت النار؟!
أنتم لم تقدّموا تضحياتٍ عابرة في معركةٍ عابرة، بل حملتم عن وطنٍ كامل أعباء الخوف والجوع والدموع والانتظار. أنتم الذين دفعتم الثمن بينما كان كثيرون يكتفون بالكلام. أنتم الذين حملتم الوطن على أكتافكم حين تخلّى عنه المتخلّون.
لولا دماء الشهداء، لكان لبنان مجرّد اسمٍ على خريطة. ولولا صبر الأمهات، لما بقيت للكرامة شجرةٌ تضرب جذورها في هذه الأرض. ولولا ثبات المقاومين، لما عرفنا معنى العزة حين تُحاصر، ولا معنى الكبرياء حين يُراد له أن يُسحق. ولولا النازحون الذين تحمّلوا مرارة التهجير وقسوة الفراق، لما بقي للجنوب روحٌ تعود إليه، ولا ذاكرةٌ تحفظ الحكاية للأجيال القادمة. لقد حملوا الوطن في حقائبهم الصغيرة، وحملوا مفاتيح البيوت كما يحمل المؤمن صلاته، مؤمنين بأن الأرض لا تموت ما دام فيها من يحبها.
وإذا كان للتاريخ أن يكتب الحقيقة يوماً، فسيكتب أن هذا المجد لم تصنعه الخطب ولا البيانات ولا المكاتب المكيفة، بل صنعته أمهاتٌ كنّ يخفين دموعهنّ كي لا يضعف المقاتلون، وصنعه رجالٌ ساروا نحو الخطر كي لا يسير الخطر نحو أهلهم، وصنعه أطفالٌ كبروا قبل أوانهم تحت هدير الطائرات وركام البيوت.
والشكر لإيران العظيمة بقيادتها وشعبها، التي وقفت إلى جانب لبنان في محنته وقدّمت له الدعم والمساندة وتحملت تبعات مواقفه، بينما كان من المفترض على السلطة اللبنانية مسؤولية حماية الوطن ورعاية الشعب وأن تكون السند الأول لأبناء الوطن في أوقات الشدة.
سلامٌ على المقاومين يوم حملوا أرواحهم على أكفّهم، وعلى الشهداء يوم ارتقوا لتبقى الأرض واقفةً على قدميها، وعلى الأمهات اللواتي علّمن العالم أن الحبّ قد يبكي لكنه لا يساوم، وعلى النازحين الذين أثبتوا أن البيوت قد تُهدم لكن الانتماء لا يُهدم... أنتم أصل الحكاية، وأصل الصمود، وأصل الانتصار.
وإذا كان في لبنان اليوم بقيةُ شرفٍ وكرامةٍ وعزةٍ ومجد، فذلك لأنكم دفعتم أثمانها من أعماركم ودموعكم ودمائكم.
فشكراً لكم، بحجم القبور التي ضمّت الأحبة، وبحجم الدموع التي لم يرَها أحد، وبحجم وطنٍ ما زال واقفاً لأنكم رفضتم أن يسقط.
رحم الله الشهداء، وحفظ الأحياء من أهل الصبر والثبات، وجعل الأجيال القادمة تعرف أن الأوطان لا يحفظها المتفرجون، بل يحفظها الذين يدفعون من أرواحهم ثمن بقائها.

أترك تعليقاً

التعليقات