ملحق «لا» 21 السياسي - العدد (1957)
- تم النشر بواسطة «لا» 21 السياسي
عقدٌ من الفشل.. حين تحتقر الجغرافيا عدوها
علي عطروس
عقدٌ كامل من الزمن، والرياض تعيد ترتيب أوراقها، وتستدعي حلفاءها من كل حدب وصوب، وتحدّث ترساناتها، وتبدّل خططها وقادتها الميدانيين. تتغير أسماء العمليات، وتتعدد خرائط الطريق؛ لكن السؤال الذي لم تستطع مئات المليارات إسكاته يعود اليوم بإلحاح أشد ضراوة: إذا كان التفوق المالي والعسكري والتكنولوجي كافياً لحسم الحروب، فلماذا لم تنتهِ الحرب على اليمن بعد عقد كامل إلى النتيجة التي أرادتها السعودية؟
ليست المسألة أن ميزان القوة متكافئ في كل ميدان مادي، ولا أن سنوات العدوان لم تُخلّف دماراً وجراحاً هائلة في الجسد اليمني؛ بل المسألة الجوهرية تكمن في تلك الحقيقة الاستراتيجية الصادمة التي يتهرب منها تحالف العدوان: التفوق في تكديس السلاح والمال لا يتحول تلقائياً إلى تفوق سياسي، والقدرة على مواصلة الحرب وارتكاب المجازر ليست هي القدرة على فرض نهايتها.
هنا تحديداً تبدأ حكايـــــة «عقدٍ مــــــــــن الفشــــــــل»؛ لا بوصفه مجرد شعار حماسي يُلقى في الهواء، بل باعتباره حكماً تقرره المسافة الفاصلة بين ما خططت له الرياض وما حصدته عملياً. لقد بدأت مغامرة الهيمنة بغارات استعلائية تتوعد بإنهاء المعركة خلال أسابيع، لتنتهي اليوم بصواريخ ومسيّرات يمنية تشعل النيران في منشآت أرامكو، وتغلق مطار الملك خالد في قلب الرياض، وتضع النظام السعودي أمام أعمق أزمة وجودية واقتصادية تعصف بطموحاته.
في الحروب الحديثة، لا تبدأ المعركة لحظة انطلاق المقذوف، بل في غرف التقدير الاستراتيجي وفهم طبيعة الخصم وبيئته. وهنا كان الإخفاق السعودي الأول والأخطر؛ إذ انطلقت الرياض من «نظرة استعلائية تاريخية» تختزل اليمن في حديقة خلفية ومجرد ساحة تدار بشراء الولاءات. وكما يوضح الكاتب والمحلل السياسي لقمان عبد الله، فإن جوهر العجز الاستخباراتي السعودي تمثل في العجز البنيوي عن فهم التحولات الفكرية والعسكرية للساحة اليمنية، واستحالة قراءة التطور الكيفي والكمي للصناعات الحربية لصنعاء.
لقد امتلك التحالف صور الأقمار الصناعية ورادارات الإنذار وخرائط الطيران الغربية؛ لكنه عجز عن امتلاك المعرفة الاستراتيجية؛ فتجاهل كل التحذيرات المسبقة التي أطلقتها صنعاء علناً، وتعامى حتى عن التقارير الاستخبارية التي نقلها الأمريكيون وطارق صالح حول تحركات القوات في الساحل وباب المندب قبل سقوطها الحاسم. وحين يُختزل شعب يمتلك إرادة التحرر والسيادة في مجرد «طرف يمكن تركيعه بالضغط المتصاعد»، يصبح كل فشل عسكري للعدو دافعاً لمزيد من التخبط والمكابرة، لا لمراجعة الفرضية الساقطة التي أنتجت الحرب.
المكسب التاريخي الذي رسخته صنعاء بعد هذا العقد الدامي لا ينحصر في صد العدوان؛ بل في إسقاط معادلة الوصاية ودفن زمن «أبو يمن» إلى غير رجعة. وكما كتب المحلل السياسي حسين إبراهيم، لم يعد اليمني في الحسابات الإقليمية تابعاً ملحقاً، بل غدا ندّاً سيادياً كامل السيادة والقرار، يفرض معادلات الاشتباك بدقة مذهلة: «الحصار بالحصار، والمطار بالمطار، والمنشأة بالمنشأة».
لم تعد صنعاء تطلب تهدئة مجتزأة، بل باتت هي التي تملي شروط السلام الشامل ورفع الحصار، وترفض تحويل المعتدي إلى «وسيط»، وتجعل من حقوق الشعب اليمني في ثرواته ورواتبه وسيادته على موانئه ومطاراته حجر الزاوية لأي استقرار إقليمي. لقد أرادوا لليمن أن يكون عبرة، فصيّره صمود أبنائه مقبرة لأوهام الهيمنة، وأعاد رسم موازين القوى في البحر الأحمر والمنطقة برمتها.
«لعنة الحماية» ومفارقة الـ83 ملياراً
فاتورة التسلح العاجزة: وفق بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، قفز الإنفاق العسكري السعودي إلى نحو 83.2 مليار دولار سنوياً، محتلاً مرتبة متقدمة بين أعلى الدول إنفاقاً عسكرياً في العالم. ورغم امتلاك السعودية ترسانة باذخة من مقاتلات (F-15) وبطاريات باتريوت (PAC-3) ومنظومات «ثاد»، فإن هذه المليارات عجزت عن منع إغلاق مطار الملك خالد الدولي في الرياض، وإيقاف الرحلات، وضرب منشآت الطاقة الحيوية في بقيق والظهران.
سقوط المظلة الأمريكية: يشرح الباحث في كلية كينغز لندن، ديفيد روبرتس، عبر شبكة «بلومبيرغ»، حقيقة «لعنة الحماية»؛ إذ إن الارتهان للمظلة الأمريكية دفع الرياض إلى إهمال بناء أمنها الذاتي، ليكشف استهداف بقيق والمنشآت الحيوية زيف الرهان على واشنطن.
تكتيك الإشباع اليمني: يؤكد الخبير العسكري بمعهد (IISS) ساشا بروخمان، والباحث أندرياس كريغ لصحيفة «فايننشال تايمز»، أن التكتيك اليمني أتقن استراتيجية «الإفراط في تحميل الرادارات» (Oversaturating the radars) واستنزاف الدفاعات عبر تشتيتها جغرافياً بين مسيّرات منخفضة وصواريخ مجنحة وباليستية بدقة متناهية.
«رؤية 2030»:عمى تحت ضغط البصيرة اليمنية
لــــم تعد الحرب على اليمن ملفــاً عسكرياً معزولاً يمكن إدارته خلف جدران غرف العمليات بعيداً عن اليوميات السعودية؛ فمع كل جولة تصعيد جديدة، تجد الرياض نفسها أمام مأزق مركب يمس مباشرة عصب أمنها القومي واستقرار شرايين طاقتها وجاذبيتها الاستثمارية. لقد راهن النظام السعودي على تقديم المملكة كمركز إقليمي رائد للأعمال والسياحة والخدمات ضمن مشروعه الدعائي «رؤية 2030»، متناسياً أن الاقتصاد الحقيقي والاستثمار الجريء لا يزدهران في بيئة تسقط عليها الصواريخ والمسيّرات.
فقد كشفت وزارة المالية السعودية، في تقديراتها الرسمية لميزانية العام 2027، عن فجوة مالية متسعة، متوقعةً نفقات تصل إلى 1.392 تريليون ريال مقابل إيرادات لا تتجاوز 1.202 تريليون ريال، ما يسجل عجزاً بنيوياً يوازي 3.6٪ من الناتج المحلي الإجمالي، بالتوازي مع انكماش الناتج الحقيقي بنسبة 3.6٪. وتؤكد تقارير وكالة «رويترز» أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر تجمدت عند حدود 33 مليار دولار في العام 2025، لتبقى عاجزة عن الاقتراب من الهدف المعلن بالوصول إلى 100 مليار دولار سنوياً مع نهاية العقد.
هذا التعثر ليس وليد تقلبات عابرة، بل نتيجة مباشرة لنقل صنعاء معادلات الردع إلى عمق المدن السعودية؛ إذ وثقت التقارير الدولية شلل حركة الطيران في مطار الملك خالد الدولي بالرياض عقب استهدافه بالصواريخ الباليستية والمسيّرات. هذا الاستهداف ألقى بظلال خانقة على الفعاليات الكبرى كقمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» (دافوس الصحراء) ومؤتمر البترول العالمي، ودفع الرؤساء التنفيذيين لكبريات شركات النفط العالمية كـ«إكسون موبيل» و«شل» و«توتال إنيرجيز» و«بي بي»، إلى جانب وزير الطاقة الإيطالي جيلبرتو بيكيتو فراتين، إلى إلغاء مشاركتهم والانسحاب الفوري. وكما توضح الباحثة في معهد دول الخليج العربية بواشنطن، كريستين سميث ديوان، لصحيفة «واشنطن بوست»، فإنه «لا يمكن لأي تحول اقتصادي أن ينجح إذا عجز الناس عن الهبوط بأمان في مطاراتكم»، ما يضع الرياض أمام معضلة تجميد مشاريع 2030 بالكامل.
وفي قراءة رقمية حادة نشرتها صحيفة «الأخبار»، يؤكد الخبير الاقتصادي الدولي فيليب بيلكينغتون أن السعودية أمام مأزق مالي حرج؛ إذ قفز حجم الدين العام متجاوزاً 520 مليار دولار، متفوقاً على إجمالي الاحتياطيات النقدية البالغة 420 مليار دولار. ويوضح بيلكينغتون أن الحرب الدائرة «تُبطل المنطق الاقتصادي للإصلاح»، محذراً من أن تصفية الدائنين لالتزاماتهم تعني الانهيار المالي الفوري. ويتكامل هذا التشخيص مع ما يطرحه كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في «بلومبيرغ» زياد داود، من أن المملكة تحولت بنيوياً من دولة مصدّرة لرؤوس الأموال إلى اقتصاد يستورد التمويل الخارجي بفوائد باهظة لتغطية نزيف الاستنزاف العسكري.
عسكرياً، تهاوت أسطورة شبكات الدفاع الجوي باهظة الثمن؛ إذ كشفت بيكا واسر، مسؤولة أبحاث الدفاع في «بلومبيرغ إيكونوميكس»، أن بطاريات «باتريوت» تعمل وفق اتجاهات رادارية قطاعية محددة وعاجزة عن توفير تغطية دائرية بزاوية 360 درجة. وبما أن العقيدة العسكرية السعودية صممت شبكات الرادار لاعتراض الأخطار القادمة من الشرق (إيران)، فإن الصواريخ والمسيّرات القادمة من الجنوب اليمني تخترق الأجواء بتغطية دفاعية شبه منعدمة.
ويضيف الخبير العسكري ومؤلف كتاب «جيوش الرمال»، كينيث بولاك، لصحيفة «نيويــــــــورك تايمـــــــــز»، أن المقذوفـــــــات والمســـــــيّرات وصواريــــــخ كروز اليمنية المنخفضة لديها قدرة استثنائية على المناورة وتغيير مساراتها، في حين تقف الرادارات الأرضية عاجزة عن الرؤية خلف خط الأفق، فضلاً عما تفرضه تضاريس وجبال اليمن من تعقيد يحرم الدفاعات السعودية من فرصة الإنذار المبكر. وقد أثبت التكتيك اليمني، وفق اعترافات معهد (IISS) في لندن، تفوقاً ساحقاً في استنزاف مخزونات صواريخ الاعتراض البالغة تكلفتها 4 - 5 ملايين دولار للمقذوف الواحد، عبر الإفراط في إغراق الرادارات وتشتيتها جغرافياً.
رؤى ومواقف تحول موازيــن القــوى
«على مدى عقد، جربت الرياض خيارات الحصار والعزل والحرب والعقوبات، وفشلت جميعها في كسر شوكة أنصار الله. الخيار الوحيد المتبقي الذي لم تجربه المملكة للخروج من المستنقع اليمني هو الاعتراف بالهزيمة، وفتح باب الحوار المباشر مع صنعاء بدون شروط مسبقة، للوصول إلى تسوية شاملة».
عريب الرنتاوي - مدير مركز القدس للدراسات السياسية - من مقال: «الخيار الوحيد الذي لم تجربه المملكة».
«محاولات الرياض تدوير مقترحات قديمة، لطلب هدنة مؤقتة ومجتزأة، لا تعدو كونها مناورة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأوراق. وصنعاء ترفض رفضاً قاطعاً تجزئة الحلول الإنسانية أو قبول السعودية في دور 'الوسيط' وهي الطرف المعتدي والمحاصر».
رشيد الحداد - صحفي وباحث متخصص في الشأن اليمني.
«يعكس التخبط السعودي عجزاً استراتيجياً مشتركاً مع واشنطن؛ فبعد فشل الغارات الجوية في حسم المعركة، تبحث الإدارة الأمريكية عن وكلاء إقليميين لتحمُّل أعباء الردع المفقود، بينما تثبت جبهات الإسناد في اليمن ولبنان والعراق تكاملها في تقويض نظرية الأمن الصهيونية والأمريكية في المنطقة».
يحيى دبوق - محلل في الشؤون العسكرية والإقليمية.
«مأزق الرياض يكمن في أن ضربات صنعاء الدقيقة لبنيتها التحتية الحيوية تُلحق ضرراً بالعمق السعودي يفوق بكثير ما تُلحقه طائرات التحالف باليمن، وهي رسالة طاردة للمستثمرين ورؤوس الأموال تجعل الحديث عن أمن الطاقة مجرد وهم».
غريغوري غاوس - رئيس قسم شؤون الشرق الأوسط بصحيفة «نيويورك تايمز».
حقيقة الترسانة الصينية الغارقة في «تلــــة السفينـــة»
حين تعجز ترسانات التسلح الغربية عن حماية عواصم العدوان من ضربات الردع اليمنية، تلجأ غرف الاستخبارات المعادية إلى سلاح الروايات المقلوبة والتلفيق الدعائي. ومن هنا، سعت الدعاية السعودية والأمريكية إلى تصوير قدرات صنعاء الصاروخية ومسيّراتها كشحنات عسكرية مكتملة مهربة تديرها بكين، في محاولة بائسة لسرقة العقل العسكري اليمني وتجريده من إبداعه واستقلاليته المشهودة. غير أن الفحص الجنائي لساحات المعارك وسجلات الشحن الدولية يُسقط هذه الفرية من أساسها.
حطام المعارك:
سلع مدنية لهواة الطيران لا سلاح دولة:
أثبتت المعاينة الفنية لحطام المسيّرات التي تم إسقاطها في جبهات البيضاء، بيحان، الجوف، وكهبوب، أن محركاتها الكهربائية ليست قطعاً عسكرية حربية، بل سلع تجارية مدنية مفتوحة المصدر. فقد كشف الفحص أن المحرك المستخدم هو طراز (Flash Hobby A3112) المثبت على هيكل كربوني مفتوح المصدر (Mark4 V2) من إنتاج شركة (Readytosky)، وتغذيه بطاريات ليثيوم تجارية (Gaoneng GNB LiPo)، وجميعها سلع استهلاكية تباع بحرية تامة في المتاجر الإلكترونية العالمية المخصصة لطائرات سباق الهواة. وحتى مسيّرة «صماد-3» الاستراتيجية، تبيّن أن قلبها النابض هو محرك بنزين ثنائي الأشواط (DLE-170) مصمم في الأصل لتشغيل الطائرات الشراعية الخفيفة ونماذج الهواة. لقد أسقطت الحقائق الجنائية أسطورة «شحنات السلاح المكتملة»؛ فصنعاء لم تكن بانتظار سفن تخترق الحصار، بل طوّعت قطعاً استهلاكية مدنية لا تدرج في أي قوائم حظر دولية، وأعادت برمجتها بكفاءة قتالية خارقة.
شحنة ميناء عدن:
ماكينات أتمتة مدنية وليست صواريخ:
روّج إعلام العدوان لضبط 58 حاوية تزن 2500 طن في ميناء عدن بزعم احتوائها على عتاد صاروخي مهرب. لكن التدقيق الجنائي كشف أنها أجهزة صناعية مدنية مزدوجة الاستخدام، شملت وحدات لحام نبضي روبوتية (Pulse MIG) من شركة (Bingo) مصممة للحام سبائك المعادن الرقيقة دون تشويه حراري. كما تضمنت الشحنة مقاييس مترولوجية دقيقة للاستواء والتمركز من إنتاج (INSIZE) تُباع لورش الخراطة الميكانيكية، ومحركات سيرفو (Wingxine ASME-SD)، ومودمات اتصال لاسلكي صناعي (Ebyte LoRa). إن استيراد هذه المعدات يبرهن على وجود مشروع تصنيع وطني متكامل داخل الكهوف والأنفاق اليمنية، اعتمد الهندسة العكسية وبرمجيات التوجيه الذاتية، بدلاً من الارتهان لشحنات خارجية مستحيلة العبور.
فضيحة الغنائم:
السلاح الصيني النظامي بحوزة التحالف:
المفارقة الكبرى أن السلاح الصيني العسكري الصريح وصل إلى اليمن عبر فواتير تسليح رسمية لجيوش تحالف العدوان بمليارات الدولارات لا عبر صنعاء. وتؤكد بيانات معهد ستوكهولم (SIPRI) إبرام الرياض وأبوظبي 15 صفقة تسلح صينية رسمية، استُخدم منها 9 أنواع في حرب اليمن؛ شملت صواريخ باليستية سعودية (DF-15A) وثّقت صحيفة «وول ستريت جورنال» بقاياها بمأرب، ومسيّرات (CH-4) و(Wing Loong) المزودة بصواريخ (Blue Arrow-7)، ومسيّرات (Loong 3 / 5). أما ما ظهر بيد أبطال الجيش واللجان فكان غنائم معارك موثقة بالصوت والصورة، مثل رشاشات (Norinco W-85) عيار 12.7 ملم ومدافع (QJG02) عيار 14.5 ملم التي تركتها قوات طارق صالح في «تلة السفينة» حين فرّت من حيس، وصولاً إلى اغتنام مدفع الهاوتزر العملاق (Norinco AH-4) عيار 155 ملم بعد فرار قوات العمالقة من الساحل الغربي.
الجبهة الرقمية: فضيحة (OPENAI) وتسميم الذكاء الاصطناعي
اختراق وادي السيليكون (فضيحة الفوزان): كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» تفاصيل اعتقال المهندس السعودي عبد الرحمن الفوزان (35 عاماً) في شركة (OpenAI) بسان فرانسيسكو، إثر زرعه جهاز تنصت دقيقاً داخل منفذ (USB) خلف شاشة تلفاز قاعة اجتماعات الإدارة التنفيذية، لرصد محادثات تقنيات الذكاء الاصطناعي الفائق. الحادثة فجّرت أزمة ثقة تكنولوجية كبرى؛ إذ أكد كريس مكغواير، عضو مجلس العلاقات الخارجية (CFR)، أنها تفرض تجميد تصدير 35,000 رقاقة متطورة من طراز (Nvidia Blackwell) إلى المملكة لحماية أمنها القومي.
تسميم الخوارزميات (الهاسبارا الرقمية): وثقت تحقيقات دولية لصحيفة «الغارديان» ومنصة (Drop Site News) تورط شركات بروباغندا «إسرائيلية» وأمريكية، مثل (Clock Tower X) لبراد بارسكال و(Piro) عبر (Havas)، في إنشاء مواقع وهمية متخصصة في هندسة المحرك التوليدي (GEO). ويهدف هذا المخطط إلى تسميم بيانات تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل (ChatGPT) و(Gemini)، بمحتوى مفبرك لتبييض صورة الاحتلال وحجب جرائم الإبادة وسردية المقاومة الفلسطينية واليمنية.
لماذا باتت «التسوية الواقعية» خيار الرياض الإجباري؟
في موازين الصراعات التاريخية الممتدة، لا تقاس صلابة الجيوش فقط بحجم العتاد وعدد الطلعات الجوية، بل بـ«ديناميات الجبهة الداخلية والتماسك المجتمعي». وهنا يكمن جوهر الفجوة التحليلية التي سقطت فيها التقديرات الغربية والسعودية؛ إذ تعاملت مع الحرب كمعادلة صفقات تسليح وإغلاق منافذ، متجاهلة المعطى السوسيولوجي الحاسم الذي حوّل اليمن من رقعة مستباحة إلى مركز ثقل يفرض إرادته على الإقليم وممراته البحرية.
صمود الحاضنة الوطنية مقابل هشاشة العقد الاجتماعي السعودي:
لقد أثبت عقدٌ كامل من الحصار والدمار أن المجتمع اليمني في المناطق الحرة طوّر مناعة مجتمعية استثنائية نابعة من عقيدة استعادة السيادة الوطنية والكرامة، والتحرر النهائي من الوصاية الأجنبية. فرغم شظف العيش وانقطاع المرتبات، ظلت الحاضنة الشعبية سداً منيعاً يتكامل مع خيارات القيادة الثورية، في مفارقة تاريخية تفضح مشاريع التفكيك؛ في حين تتخبط المناطق المحتلة جنوباً وشرقاً في صراعات بينية مسلحة، وتفسخ معيشي، وانهيار قياسي للعملة المحلية، وصراع نفوذ محتدم بين أدوات الرياض وأبوظبي (الانتقالي، الإصلاح، وقوات «درع الوطن»...).
في المقابل، يقف الداخل السعودي على صفيح ساخن من التصدع المكتوم؛ إذ فرضت الحرب تفكيكاً قسرياً لـ«العقد الاجتماعي والريع الاقتصادي» التقليدي. فبدلاً من الرفاه، بات المواطن السعودي يدفع ضريبة الاستنزاف العسكري من أمنه اليومي. وتجلى ذلك في تعطيل صفارات الإنذار وتحويل العمل والتعليم في العاصمة الرياض ومدن الجنوب إلى «نظام العمل عن بُعد» تجنباً لحالات الفزع مع دوي الصواريخ والمسيّرات. ويرافق هذا الانكشاف اضطراب قيمي ناتج عن الانتقال الفجائي من رعاية الوهابية المتشددة إلى صدمات الترفيه المنفلت، وتعمق المظالم المناطقية والقبلية (وعلى رأسها تهجير قبائل الحويطات لصالح مشروع «نيوم»)، فضلاً عن احتقان الأسرة الحاكمة بعد احتجازات «الريتز كارلتون» واحتكار القرار الفردي؛ ما يجعل الجبهة الداخلية السعودية هشة وعاجزة عن تحمل كلفة حرب مفتوحة طويلة الأمد.
مسارات اليوم وسيناريوهات المستقبل:
1. سيناريو المكابرة والتصعيد العسكري:
- الفرضية ومؤشرات التحقق: استئناف العمليات الواسعة، وتحريك أدوات الداخل، وتكثيف الإسناد الجوي لفرض تنازلات تفاوضية على صنعاء.
- ما يرجَّح ميدانياً: عجز القيادة السعودية عن هضم الهزيمة، والارتهان للإملاءات الأمريكية.
- موانع التحقق وعوامل الإخفاق: كلفة الردع اليمني المؤلم في العمق الاقتصادي وممرات الملاحة، وعجز الأدوات البرية عن الثبات.
2. سيناريو تدوير التحالفات والاستقواء بالخارج:
- الفرضية ومؤشرات التحقق: استدعاء الدعم التركي الدفاعي والباكستاني الهجومي، وتدوير مرتزقة سوريين، والتقاطع الاستخباري مع «تل أبيب»، لتخفيف العبء المباشر.
- ما يرجَّح ميدانياً: البحث السعودي المستمر عن مظلات حماية بديلة تعوض تراجع الالتزام الأمريكي.
- موانع التحقق وعوامل الإخفاق: تضارب مصالح القوى الإقليمية، ورفض الشارع التركي والباكستاني للتورط، واليقين بأن المرتزقة لن يصمدوا.
3. سيناريو التسوية السياسية الواقعية:
- الفرضية ومؤشرات التحقق: الإذعان للحقوق الإنسانية المشروعة: فتح الموانئ والمطارات كلياً، صرف الرواتب من عائدات النفط والغاز المنهوبة، وتوقيع اتفاق إنهاء العدوان والخروج النهائي من البلاد.
- ما يرجَّح ميدانياً: انسداد أفق الحسم، ورغبة الرياض في تأمين منشآتها النفطية ومشاريعها السياحية.
- موانع التحقق وعوامل الإخفاق: محاولة الالتفاف بتقديم الرياض كـ«وسيط»، والضغوط الأمريكية.
4. سيناريو اتساع الاضطراب الداخلي:
- الفرضية ومؤشرات التحقق: تفاعل العجز المالي المتراكم وتآكل الاحتياطيات النقدية وارتفاع الديون إلى انفجار اجتماعي وسياسي داخل المملكة.
- ما يرجَّح ميدانياً: تخطي الديون (520 مليار دولار) حجم الاحتياطيات، وتصاعد التذمر القبلي والمناطقي.
- موانع التحقق وعوامل الإخفاق: قدرة الأجهزة الأمنية القمعية المؤقتة على امتصاص الصدمات واحتواء بوادر التململ الداخلي.
«الندّية.. وسيلة سيادة لا ترف توازن»
بعد عقدٍ دامٍ من الحرب والحصار، يسقط الوهم الذي خيّم على غرف التخطيط المعادية. لم يعد السؤال اليوم: من يمتلك ترسانة السلاح الأكثر فتكاً؛ بل: من يملك إرادة القرار والقدرة على تحويل الميدان إلى حقيقة سياسية ثابتة. لقد أثبت اليمن أن التفوق المادي والمالي لا يلغي حقيقة التاريخ ومنطق الجغرافيا، وأن استدعاء الحمايات الخارجية لا يصنع نصراً لجيوش مستأجرة.
ومن هنا فالندّية التي فرضها الدم اليمني الطاهر ليست ادعاءً استعراضياً لتكافؤ الموارد، بل هي حقيقة سيادية تعني أن عهد الوصاية دُفن إلى الأبد، وأن أي ترتيبات لأمن البحر الأحمر والمنطقة تستحيل من دون صنعاء. لكن الندّية في فكر القيادة ليست نهاية المطاف؛ فالصمود العسكري يظل مكسباً ناقصاً ما لم يُترجم إلى إنهاء شامل للعدوان، ورفع كامل للحصار، وتطهير الأرض من الاحتلال، وانتزاع حقوق الشعب اليمني كاملة في ثرواته المنهوبة وإعادة إعمار ما دمره المعتدون.
إن الاختبار الحقيقي أمام حكام الرياض ليس في استبدال أسماء العمليات، أو البحث عن غطاء وهمي في واشنطن و«تل أبيب»؛ بل في الشجاعة الأخلاقية والسياسية بالاعتراف بأن زمن الهيمنة قد ولى، وأن السلام الحقيقي لا يمر إلا عبر بوابة صنعاء المستقلة.










المصدر «لا» 21 السياسي