جريمة طائفية أخرى تهز سورية
- تم النشر بواسطة خاص / لا ميديا
دمشق - خاص / لا ميديا -
اهتزت محافظة حمص وعموم سورية، جراء جريمة قتل بشعة
ذهب ضحيتها سبعة مهندسين وعمال قتلى، وأربعة مصابين، كانوا قادمين من موقع عملهم في أحد المصانع بريف حمص.
فداحة الجريمة، وتأثيرها وتداعياتها الأمنية والاجتماعية زادتها الدوافع الطائفية لمرتكبيها، الذين أوقفوا الحافلة تحت تهديد السلاح، وبدا أنهم كانوا يترصدونها، وصعدوا إليها بزعم أنهم رجال أمن، وعندما تأكدوا من هوية ركابها وأنهم من الطائفة العلوية، أمطروهم بوابل من الرصاص، ما أدى إلى وقوع هذا العدد من الضحايا.
الجريمة أثارت مخاوف وغضباً في أوساط المجتمع السوري، خصوصاً أنها لم تكن الجريمة الوحيدة، بل جاءت في سياق انفلات أمني يسود مختلف المحافظات السورية.
فقبل أيام من هذه الجريمة، قدم مسلحان يستقلان دراجة نارية إلى قرية في ريف حماه الغربي، سكانها علويون أيضاً، وأطلقا النار على رجلين في الشارع، وقتلاهما وفرا إلى جهة غير معلومة.
كما زادت جرائم الاختطاف وسبي النساء والقتل في مختلف المحافظات السورية، وخاصة في محافظة إدلب، التي كانت معقل رئيس السلطة، أبو محمد الجولاني، قبل سقوط نظام الرئيس بشار الأسد.
أما الجريمة التي تطال أسبابها وتداعياتها سورية فكانت ضرب خطوط الغاز المغذية لثلاث محطات توليد كهرباء، في حين يتم الحديث عن جعل سورية بديلاً لمضيق هرمز كخطوط لمرور النفط والغاز، ما أدى إلى توقف المحطات عن العمل، وزيادة تقنين الكهرباء، في بلد يعاني من أزمة في الكهرباء.
وترافقت كل هذه الجرائم مع تعاظم الحديث عن عمليات فساد يقوم فيها رجال السلطة بسرقة أموال السوريين ونقلها إلى تركيا، وتكشُّف وهمية العقود والمشاريع التي تحدثت عنها السلطة، وروجت لها على أنها قفزة في الاستثمارات، ليتبين أنها مجرد عقود بدون تنفيذ على الأرض، إما بسبب إحجام الجهات التي تم توقيع العقود معها عن بدء العمل، بسبب عدم وجود قرار من الجهات الإقليمية والدولية النافذة بانطلاق إعادة الإعمار، بسبب عدم استتاب الأمن، وعدم تنفيذ سلطات دمشق، لما هو مطلوب منها في القرارات الأممية حول سورية، وإما بسبب التأكد من أن الكثير من العقود تمت مع شركات تبين أنها تعود لرجال في السلطة تم إحداثها على عجل وتكليفها بمشاريع بملايين ومليارات الدولارات بدون أن يكون لديها الإمكانية لتنفيذها.
الجرائم وحدت المواقف وردود الفعل لدى معظم النخب السورية، فحمّلت السلطات المسؤولية عن حالة الانفلات الأمني، وصفقات الفساد التي أصبح من المستحيل تغطيتها، وذلك بسماحها بتمدد الأفكار الطائفية والإقصائية، والمروجين للأفكار المتشددة والمنغلقة عند بعض المحسوبين على السلطة، مثل حالة الداعية المصري المعروف باسم «الشيخ الذهبي»، الذي يعمل تحت رعاية السلطة وحمايتها، ويروج للأفكار الشاذة والمتشددة والغريبة عن المجتمع السوري عموماً، والدمشقي خصوصاً، ويقود حملة لتنقيب النساء، رغم أن هذه الفئة تشكل أقلية وحالة منعزلة في المجتمع السوري، ولا سند لها إلا تغطية السلطات، رغم أنهم يظهرون بالصوت والصورة، وبدون أن تتم ملاحقتهم ومحاسبتهم، وفق القانون السوري، الذي يمنع مثل هذه الأفكار والترويج لها.
كما يمتلئ عالم «السوشيال ميديا»، بالتقارير والمعلومات التي تظهر حالات الفساد المستشري، وتغول رجال السلطة في الاستعراضات وإبراز حالة الرفاهية والبذخ التي يعيشونها، في بلد مزقته الحرب ويعيش أزمات في الدخل وارتفاع جنوني في أسعار الخبز والكهرباء والبنزين والمازوت، حتى أصبح معظم سكانه تحت خط الفقر، رغم الغنى الذي تتمتع به سورية في الثروات والجغرافيا والموقع، والأهم العامل البشري المبدع، والذي أثبت قدرته المذهلة على العمل والتطوير في البلدان التي هاجرت إليها الخبرات والكفاءات والعقول السورية.
وفي حين خرج محافظ دمشق لتفقد مناطق منكوبة في منطقة القابون، فقد فعل ذلك بموكب يضم 38 سيارة من أفخم وأحدث سيارات الدفع الرباعي. كما أن موكب وزير الأوقاف يضم 42 سيارة من هذه الأنواع، وهو ما ينطبق على كل المسؤولين في السلطة.
وزاد من ذلك، إدلاء مسؤولين بتصريحات فيها إهانة واستعلاء على الشعب السوري، منها تصريح لوزير الأوقاف، محمد أبو الخير شكري، الذي وصف الوزارة بقوله «متل شحاطتي»، وتصريح الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، يوسف قبلاوي، الذي وصف السوريين بـ«القطيع» في رده على تقارير وحملة طالته على الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي، حول عمليات الفساد والسرقات والصفقات المشبوهة، التي تتم في قطاع النفط، والتي عبّر عن جوانب منها العاملون في حقول البترول في الحسكة، شمال شرق سورية، الذين أصدروا بياناً قالوا فيه إن الظلم «بلغ حدّاً لا يمكن السكوت عليه»، وطالبوا بإلغاء العقد الذي أبرمه القبلاوي مع الشركة الأمريكية (HKN) وسلّم بموجبه حقول رميلان النفطية بكل آبارها ومعداتها وعمالها وآلياتها للشركة الأجنبية، بذريعة «رفع الإنتاج» والتي «لم تقدّم أي خطوة فعلية لزيادة الإنتاج، بل وصلت الأمور إلى مطالبة العمال بالبحث عن قطع تالفة ومستعملة من أجل تركيبها على الحفارات والآليات، في مشهد يعكس انهياراً كاملاً في الإدارة الفنية». كما تحدثوا عن «امتيازات للأجانب.. وإهانة للعمال السوريين».
قوة الحملة الشعبية ضد القبلاوي اضطرته لتقديم اعتذار؛ لكن الاعتذار لم يكن كافياً، فتمت إقالته، وتعيين بديل عنه، مع العلم بأن القبلاوي ليس سورياً، وإنما فلسطيني بجنسية أمريكية.
ردود الفعل على هذا الوضع تزداد قوة يوماً بعد يوم، بعد كل جريمة وكشف عن حالة فساد، خاصة عند نخب المجتمع السوري.
كما أصدرت مختلف التجمعات الاجتماعية والسياسية والمجتمع المدني بيانات استنكار وتنديد بعمليات الفساد هذه، وحمّلوا السلطة المسؤولية الكاملة عن هذا الوضع، الذي يزداد تدهوراً وصعوبة.
واللافت أن الاحتجاجات على سياسات السلطة باتت اليوم تتم أكثر من قبل النخب التي كانت تعارض نظام الرئيس بشار الأسد، وعند الجمهور المحسوب على سلطة اليوم، وكانت تشكل بيئتها الحاضنة، والتي يبدو أنها تنفض عنها بسرعة.
سورية اليوم تبدو أمام تحديات داخلية وخارجية تضعها أمام مفترق طرق وخيارات صعبة، ولن يكون من السهل الآن تحديد المسار ونهاية الطريق الذي ستسلكه، بسبب تشابكاته وتعقيداته، الداخلية والخارجية. لكن المؤكد أن الوضع لن يستمر على هذا الشكل.










المصدر خاص / لا ميديا