روبيرت تيت - صحيفة «الغارديان» البريطانية
ترجمة خاصة:أقلام عبدالملك مانع / لا ميديا -
قد يكون التعرض للسخرية أشد ما يكرهه دونالد ترامب من بين كل الأشياء المعروفة.
ومع ذلك، وبعد مرور أكثر من خمسة أشهر على شن حرب اختيارية ضد إيران، يخاطر الرئيس الأمريكي بجذب السخرية وهو يكافح من أجل تحقيق نصر عسكري - بينما يهدد مراراً وتكراراً بقصف مدمر ضد نظام طهران، فقط ليتراجع بذريعة تجديد المفاوضات.
يرى النقاد أن سلسلة الإنذارات والتراجعات باتت أشبه بتكرار ممل. وبحسب إحصائية، فقد اعتمد ترامب التكتيك نفسه سبع مرات منذ شن الحرب بالتنسيق مع «إسرائيل» في 28 فبراير.
شهدت نهاية الأسبوع الماضي أحدث فصول هذه الأحداث، إذ صرح ترامب للصحفيين على متن طائرة الرئاسة بأنه ألغى فجأة هجوماً «ضخماً» قال إنه كان سيكون «الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية» بعد نداء من حلفاء الولايات المتحدة، ولأنه «اعتقد أن هناك اتفاقاً».
رغم المفاوضات بين إيران وعُمان بشأن الملاحة في مضيق هرمز، لم يتم التوصل إلى أي اتفاق حتى الآن، ولا يزال الممر المائي ذو الأهمية الاستراتيجية مغلقاً - وهو قناة لخُمس إمدادات النفط العالمية قبل الحرب.
يشبه هذا النمط نمطاً تكرر في سلسلة من المناسبات الأخرى، بما في ذلك تهديد ترامب الخطير الذي لا يُنسى في أبريل بأن «الحضارة الإيرانية ستنتهي الليلة» ما لم تستسلم طهران لمطالبه، ثم تراجع في اللحظة الأخيرة ووافق على وقف إطلاق النار.
كما زعم الرئيس الأمريكي عدة مرات أن الولايات المتحدة قد انتصرت «فعلياً» في الحرب، وأن النظام الإيراني كان يطالب بعقد اتفاق.. وهذه الادعاءات تثير السخرية على نحو متزايد.
عرضت شبكة (CNN) مؤخراً مونتاجاً يضم 14 مقطعاً منفصلاً يعود تاريخها إلى شهر مارس، حين أصر ترامب على أن السلام بات وشيكاً لأن قادة إيران «يريدون إبرام صفقة» بعد أن أصبحوا عاجزين عسكرياً؛ وهي مزاعم تناقضها القدرة الإيرانية المستمرة على إلحاق الضرر بأهداف الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط.
انتقد الصحفي والمعلق البريطاني المخضرم أندرو نيل بشدة مزاعم ترامب، معتبراً إياها جديرة بجائزة نوبل للسلام التي من المعروف أنه يتوق إليها.
قال نيل ساخراً في برنامج «تايمز راديو»: «لقد نجح، خلال الأشهر الخمسة الماضية، في إنهاء الحرب الإيرانية ثماني مرات. ما الذي يجب فعله أكثر من ذلك لنيل جائزة نوبل للسلام؟!».
وأضاف: «إننا نضيع وقتنا حتى في تحليلها، لأنها إما بلا معنى، وإما أنه تراجع عنها في غضون 24 ساعة.. يمكنك ببساطة قراءة توقعات الشحن».
يقول المحللون إن رسائل ترامب المتضاربة بشكل كبير بشأن الحرب تكشف عن غياب الاستراتيجية وجهل عميق بعدوه، وتهدد بإحداث كارثة انتخابية في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في نوفمبر.
يعتقد مهرزاد بروجردي، نائب رئيس الجامعة وعالم السياسة في جامعة ميسوري للعلوم والتكنولوجيا، أن فشل الرئيس الأمريكي في فهم الأفراد الذين يقودون النظام الإسلامي «الاستبدادي» في إيران قد قاده إلى طريق مسدود من التهديدات غير الفعالة، والتي تأتي بنتائج عكسية.
قال بروجردي: «إن أحد أسوأ الأخطاء التي ارتكبها ترامب هو استخدام هذا النوع من اللغة»، مشيراً إلى أن الأنظمة التي تنشأ من خلال ثورات جماهيرية مثل تلك التي حدثت عام 1979 والتي أوصلت الثوار الإيرانيين إلى السلطة، يصعب إسقاطها أكثر من الحكومات الأخرى.
وقال: «أولاً: هؤلاء ليسوا من النوع الذي يركع. ثانياً: لقد قتلت للتو قمة قيادتهم (بمن في ذلك المرشد الأعلى السابق، آية الله علي خامنئي). إن حالتهم النفسية ليست سوى دعوة لترامب ليصبح أكثر عدوانية».

فهم طهران
جعل بروجردي يتخذ من فهم دوافع الرجال داخل النظام الإسلامي مهمة حياته بعد اغتيال والده، مالك محمد بروجردي، وهو مسؤول تنفيذي كبير في شركة النفط الوطنية، على يد جماعة «منصورين» المسلحة في ديسمبر 1978، عشية الثورة التي أطاحت بالملك المدعوم من الغرب، الشاه محمد رضا بهلوي.
أبقى مصلحته الشخصية في التدقيق في النظام طي الكتمان، خشية أن يُنظر إلى ذلك على أنه يُخل بنزاهة دراساته الأكاديمية.
بعد مرور ما يقارب نصف قرن، يشغل أعضاء بارزون في جماعة المنصورين بعضاً من أكثر المناصب العسكرية حساسية في النظام. ومن بينهم محمد باقر ذو القدر، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، ومحسن رضائي، القائد المؤسس للحرس الثوري الإسلامي، والذي يشغل الآن منصب المستشار العسكري للمرشد الأعلى الحالي، مجتبى خامنئي، الذي قُتل والده بغارة عسكرية «إسرائيلية» في بداية الحرب.
بعد أن قام بروجردي بتجميع قاعدة بيانات ضخمة تضم حوالى 2700 عضو من نخبة البلاد على مدى عقدين من الزمن، شارك في تأليف كتاب من 900 صفحة بعنوان «إيران ما بعد الثورة: دليل سياسي»، والذي يضع قيادتها السياسية تحت المجهر.
وقال إن فهم ذلك يساعد في تفسير كيف صمد النظام المتهالك ظاهرياً أمام العداء الأمريكي والعقوبات الدولية والعزلة الدبلوماسية وفترات الحرب على مدى 47 عاماً مع الحفاظ على مرونته.
قال بروجردي: «لقد نظرت في علاقات المحسوبية بينهم، ومن يرتبط بمن. هؤلاء أناس ينحدرون من خلفيات متواضعة للغاية. إنهم في الغالب أبناء مزارعين وفلاحين. ثم ثانياً، رجال دين تمتعوا أساساً بالحراك الاجتماعي بفضل الثورة».
هؤلاء كانوا أشخاصاً عاديين، أصبحوا ذوي شأن بفضل الثورة. ولذلك، فإن تمسكهم بهذا النظام ورغبتهم في الدفاع عنه أمر منطقي تماماً، لأنهم يدينون بكل ما يملكونه حالياً، ومسيرتهم المهنية بأكملها، لما منحته لهم هذه الثورة.
«إذا أردنا فهم صمود إيران وأدائها، فنحن بحاجة إلى فهم أفضل لنفسية هؤلاء الأفراد وتربيتهم. لكن ذلك يتطلب عملاً جاداً لا تهتم به الطبقة السياسية في واشنطن بالضرورة».
وبسبب عدم قيامه بمثل هذا العمل، فقد تحول ترامب إلى مجرد التذمر والإحباط من نظام يمثل تحديه مصدراً للارتباك والحيرة بالنسبة له.
بعد انهيار وقف إطلاق النار الذي تم الاتفاق عليه في يونيو بسبب اختلاف تفسيرات مذكرة التفاهم التي وقعها ترامب في قصر فرساي، صدم الحضور في قمة الناتو التي عقدت الشهر الماضي في أنقرة بوصفه قادة إيران بـ»الحثالة».
وقال للصحفيين: «كل ما يفعلونه هو إغضابي»، واصفاً سلوكهم بأنه «مزدوج بشكل لا يصدق».
بحسب بروجردي، فإن هذا الغموض يعني أن نمط تهديدات ترامب المرعبة التي لم تُنفذ في نهاية المطاف، من المرجح أن يستمر. ويتفق معه في ذلك مراقبون مخضرمون آخرون لشؤون إيران.
وصف علي واعظ، نائب مدير «برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» في «مجموعة الأزمات الدولية»، شرح نهج ترامب من الناحية الاستراتيجية بأنه «مهمة مستحيلة». وأعرب عن أسفه لما سمّاه غياب عملية سياسية واضحة في الإدارة الحالية.
لكنه قال أيضاً إن قادة إيران عززوا موقفهم التفاوضي في مضيق هرمز منذ انهيار وقف إطلاق النار في يونيو، ما أثار نقاشاً مؤلماً في واشنطن حول الخيارات العسكرية بعد الضربات الأخيرة على قاعدة أمريكية في الأردن، والتي أسفر عنها مقتل ثلاثة من أفراد الخدمة الأمريكية.
وهناك احتمالات بشن هجوم عسكري متجدد ضد أهداف إيرانية محدودة بسبب المخاوف من نضوب مخزونات الصواريخ والاعتراض الأمريكية.
أشار فايز إلى أن نهج ترامب «يُختزل إلى إحباطه من عدم امتلاكه أي خيارات عسكرية جيدة أمامه». وأضاف: «الكثير منه ردود فعل عاطفية، كما هو الحال عندما يعقد صفقة مع إيران تُثير ردود فعل سياسية عنيفة، حتى بين الجمهوريين».
«هذا النقد يثير غضبه، فيحاول انتزاع شروط أفضل من إيران عن طريق قصفها. ولكن عندما يجد نفسه في موقف أسوأ، يعود إلى طاولة المفاوضات ويحاول التوصل إلى حل دبلوماسي».
«بدأت هذه الحرب بناءً على الكثير من الافتراضات الخاطئة، والتي تُعد تذكيراً واضحاً بأن نصف المعركة هو فهم العدو؛ ومن الواضح أن الرئيس ترامب وإدارته لم يفهموا العدو».
8 آب/ أغسطس 2026