عادل بشر / لا ميديا -
مع اقتراب شهر رمضان، الذي اعتادت أسواق صنعاء أن تستقبله بحركة نشطة وزحام يعكس تقاليد الاستعداد للشهر الفضيل، تبدو الصورة هذا العام مختلفة على نحو لافت. الممرات شبه خالية، والباعة يجلسون أمام بضائعهم لساعات طويلة دون إقبال يُذكر، فيما تتردد على ألسنة المتسوقين عبارة واحدة: «الأسعار مرتفعة والجيوب فارغة».

أسواق بلا حركة
في جولة ميدانية لـ(لا) داخل أسواق باب اليمن، وشملان، والسبعين، يلفت الانتباه ضعف الحركة الشرائية مقارنة بالسنوات الماضية. الباعة يؤكدون أن الأيام التي كانت تشهد ذروة الإقبال قبيل رمضان تحولت إلى فترات ركود ثقيل.
يقول عصام الخولي، أحد تجار المواد الغذائية: «كنا نبيع في هذا التوقيت كميات مضاعفة من الدقيق، السكر، والزيت، أما الآن فالناس تسأل عن السعر أكثر مما تشتري. كثيرون يكتفون بالنظر ويغادرون».
ويؤكد أيمن الحبابي، تاجر بهارات وتوابل، أن نسبة الإقبال على التوابل والبهارات هذا العام، أقل بكثير من السابق، موضحاً بالقول: «معروف بأن رمضان هو موسم البهارات والتوابل، كون شهر الصيام يحظى بمكان خاصة لدى اليمنيين، ولا يكتمل رمضان إلا بالأكلات الشعبية التي تعبر عن التراث اليمني، والبهارات هي التي تُميّز هذه الأكلات وتعطيها نكهة ومذاقًا خاصًا، لذلك تستهلك العائلات اليمنية ما يوازي 50٪ من كمية البهارات السنوية لكل عائلة، خلال رمضان فقط، وبالنسبة للتجار هو موسم الرزق الوفير، لكن مع الأسف الشديد، القدرة الشرائية لدى معظم المواطنين أصبحت تحت الصفر، والركود هو المسيطر على الأسواق».
في السياق يقيس محمد الحرازي، وهو أحد تجار التمور والمكسرات في سوق الملح بباب اليمن، مدى حركة البيع والشراء في أسواق العاصمة صنعاء عامة، بما يشهده سوق الملح، فيما يتعلق بالإقبال على شراء احتياجات رمضان، باعتبار أن سوق الملح، وفقاً للحرازي، قد يكون قبلة شريحة كبيرة من الساكنين في صنعاء، لا سيما قبيل رمضان.
يقول الحرازي: «في مثل هذه الأيام من كل عام، تكون ذروة الزحمة في سوق الملح، الذي يحج إليه مختلف شرائح المجتمع لشراء احتياجات رمضان، لدرجة أن البائع لا يستطيع مغادرة المحل حتى لدقائق معدودة، فيأكل ويشرب وينام داخل المحل بالتناوب مع أبنائه أو إخوانه أو العُمال، وتبقى أبواب المحال مفتوحة على مدار الساعة».
ويضيف: «طبعاً هذا كان زمان، لكن في السنوات الأخيرة، زاد الوضع سوءًا وأحوال الناس كل يوم في النازل، وكما يظهر أمامك، السوق فاضي والبضاعة راقدة والذباب يأكل وجوه المواطنين، والحال كذلك ينطبق على بقية الأسواق».
على الطرف الآخر من السوق، يجلس أبو خالد، بائع الحبوب منذ أكثر من عشرين عاماً، أمام أكياس القمح والذرة والعدس المصفوفة بعناية. يقول بصوت يحمل خليطاً من التعب والمرارة: «هذا الموسم كان يعوضنا عن أشهر الركود. اليوم تمر ساعات دون أن أبيع شيئا. الناس تسأل عن الأرخص فقط، وبعضهم يطلب بالدين».
وتشير تقديرات غير رسمية لتجار الجملة إلى أن حجم المبيعات في الأسابيع الأولى من الموسم الرمضاني الذي يبدأ عادة منتصف شهر رجب، انخفض هذا العام بنسبة تتراوح بين 60 و70 في المائة مقارنة بسنوات سابقة. ويعني ذلك، بحسب مختصين، أن السوق فقد أحد أهم مواسمه السنوية، ما ينعكس على سلاسل التوريد من المستوردين إلى الباعة الصغار.

معارض الشهر الكريم
في مقابل هذا المشهد القاتم، تظهر ما تسمى بمعارض الشهر الكريم التي تنظمها بعض الجهات، وتشارك فيها العديد من الشركات والمؤسسات التجارية لعرض المنتجات الاستهلاكية الغذائية والمرتبطة بدرجة أساسية بشهر رمضان، وتضم عروضًا لمواد غذائية والبهارات والتوابل والأدوات المنزلية وغيرها من الاحتياجات التي يزداد الطلب عليها في رمضان، ولكن المعضلة، وفقاً لمواطنين، تكمن في عدم توفر القدرة الشرائية في ظل تفاقم الأعباء المعيشية على الأسر محدودة الدخل، وانقطاع الرواتب عن شريحة واسعة من الموظفين.

تراجع اقتصادي
يرى خبراء اقتصاديون أن ركود الأسواق في صنعاء قبيل رمضان ليس حدثاً موسمياً عابراً، بل نتيجة تراكمات طويلة من التراجع الاقتصادي الذي أفرزته الحرب. فاستمرار أزمة انقطاع المرتبات أو صرف «أنصاف الرواتب» لفترات متباعدة لم يعد يغطي حتى الاحتياجات الأساسية، وتآكل قيمة الدخل بفعل ارتفاع الأسعار، وانعدام الأعمال، وارتفاع نسبة الفقر والبطالة، وعدم تحلّي الوزارات والجهات الحكومية المختصة بمسؤوليتها في العمل على تخفيف العبء المعيشي عن المواطنين، كلها عوامل تضغط بشكل مباشر على القدرة الشرائية.

توقعات قاتلة
تتقاطع هذه المشاهد مع تقارير الأمم المتحدة لعام 2026، والتي تصف الوضع الإنساني في اليمن بـ«المقلق للغاية»، مع توقعات بزيادة عدد المحتاجين للمساعدات إلى 21 مليون شخص هذا العام، مدفوعاً بانهيار الاقتصاد وتراجع الخدمات الأساسية.
وبحسب تقارير الأمم المتحدة، فإن اليمن يعد رابع أكثر دول العالم انعداما للأمن الغذائي، مشيرة إلى أن 6.6 مليون يمني لا يحصلون على وجبة واحدة يوميًا، كما أن نسبة اليمنيين ممن باتوا يعيشون تحت خط الفقر الدولي تتجاوز 85٪ ما يعني تآكل الطبقة الوسطى واتساع طبقة الفقراء والمعوزين واستمرار غياب الحلول التي من شأنها أن تحد من هذا التدهور المتسارع.
وبين أرقام المبيعات المتراجعة وحكايات الباعة وتحذيرات الخبراء، تتجسد صورة مركبة لأزمة تتجاوز حدود السوق إلى تفاصيل الحياة اليومية في اليمن. رمضان الذي كان موسماً للحركة والفرح بات مرآة تعكس هشاشة الوضع الاقتصادي والواقع المعيشي الذي يُرهق كاهل المواطن، وتضع المجتمع أمام تحدٍ مضاعف،كيف يحافظ على روح الشهر الفضيل في ظل واقع معيشي يضيق يوماً بعد آخر؟